إسرائيل تنقل خط دفاعها إلى داخل سوريا… ماذا يكشف “صوفا 53″؟
أعادت تحركات إسرائيلية مكثفة خلال اليومين الأخيرين ملف التحصينات في جنوب سوريا إلى الواجهة. فقد عادت الآليات الهندسية إلى العمل من جهة العشة والرفيد في ريف القنيطرة الجنوبي، حيث تشمل الأشغال خندقاً وساتراً ترابياً وطريق إمداد يمتد باتجاه حوض اليرموك، بالتوازي مع توغلات متكررة تمتد من القنيطرة إلى بيت جن. وخلال هذه التحركات، قتل الجيش الإسرائيلي الشاب محمد أيمن الدبور قرب موقع عسكري في محيط الحميدية.
هذه التطورات جددت الحديث عن “صوفا 53″، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن ما يجري يتجاوز استكمال طريق عسكري.
مشروع قديم بوظيفة جديدة
بدأت إسرائيل العمل على هذا المحور قبل سقوط النظام السابق. وفي آذار/مارس 2023، نشر الجيش الإسرائيلي معلومات عن شق “المحور الشرقي” بمحاذاة خط ألفا، بمشاركة الكتيبة المدرعة 53 وهندسة الفرقة 210. وقال إن المقطع جزء من شبكة طرق ستتجاوز 90 كيلومتراً حتى المثلث الحدودي الجنوبي، وإن الغرض منها تسهيل حركة القوات في الظروف العادية و”يوم الأمر”.
لكن سقوط النظام غيّر، على ما يبدو، وظيفة البنية التي كانت إسرائيل تعمل عليها. فمنذ 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، تقدمت القوات الإسرائيلية شرق خطها السابق، وأقامت مواقع ثابتة داخل سوريا، وحوّلت المنطقة الواقعة أمام إلى مجال عمليات دائم.
ولخّص رئيس الأركان إيال زامير هذه العقيدة في آب/أغسطس بقوله إن إسرائيل أنشأت في سوريا “منطقة دفاع أمامية” تعمل قواتها داخلها. أما “يديعوت أحرونوت” فكشفت أن نحو 80 في المئة من منظومة الخنادق والسواتر المسماة إسرائيلياً “الشرق الجديد” أُنجزت من مجدل شمس إلى المثلث الجنوبي، بالتوازي مع احتفاظ اللواء 474 بنحو تسعة مواقع في عمق الجانب السوري وتحرك قواته داخل القرى والأراضي المفتوحة.
دفاع يبدأ داخل سوريا
أبرز ما يكشفه “صوفا” بالنسبة إلى إسرائيل هو التحول في وظيفة هذا الخط. فالطريق الذي أُعد أصلاً لحركة القوات بمحاذاة خط ألفا بات يقع خلف قوة إسرائيلية انتقلت إلى الأمام. وأصبحت شبكة الطرق تؤمن الحركة شمالاً وجنوباً، فيما تعرقل الخنادق والسواتر الحركة من الشرق باتجاه الجولان، وتمنح المواقع المتقدمة والدوريات إسرائيل إنذاراً مبكراً وحرية عمل داخل الأراضي السورية.
اقرأ أيضا: تفاصيل خريطة طريق أميركية لتحقيق السلام بين اسرائيل ولبنان
ويتوافق ذلك مع نظرة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إلى سوريا الجديدة. فقد نقل موقع “واللا” عن مصادر أمنية خشيتها من إعادة بناء الجيش السوري ومن أي تمركز تركي يمكن أن يحد من حرية عمل الجيش الإسرائيلي، فيما نقلت لاحقاً عن مصادر أخرى أن إسرائيل أضاعت فرصة مبكرة للوصول إلى اتفاق مع الرئيس أحمد الشرع.
ويتجاوز الحساب الإسرائيلي، وفق هذه القراءة، منع هجوم مباشر إلى الاحتفاظ بعمق أمني يجعل أي تغيير عسكري سوري في الجنوب مرتبطاً عملياً بقدرة إسرائيل على التدخل والرد.
أي خط تعيده المفاوضات؟
تكرر دمشق مطالبتها بانسحاب إسرائيل إلى مواقع ما قبل 8 كانون الأول والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. لكن “صوفا” يكشف فارقاً مهماً بين المرجعين. فقد سبقت أجزاء من البنية التي أقامتها إسرائيل داخل الأراضي السورية سقوط النظام، ولذلك فإن العودة إلى مواقع 7 كانون الأول لا تعني وحدها إزالة ما أُنشئ قبل ذلك التاريخ، وهو تفصيل لم توضحه الديبلوماسية السورية في خطابها عن الانسحاب.
أما العودة إلى اتفاق 1974 فتعني معياراً مختلفاً، وهو ما ظهر عندما وصفت الخارجية السورية استكمال العمل في “صوفا 53” بأنه خرق للاتفاق. وفي المقابل، يقول وزير الدفاع الإسرائيلي إسرائيل كاتس إن الجيش لن ينسحب من جبل الشيخ والمنطقة الأمنية ما دامت التهديدات التي تصفها إسرائيل بالجهادية قائمة.
اقرا أيضا: إسرائيل تنتهك «خط سوفا 53» في سوريا والجامعة العربية تحذر
وتتحول المواقع والتحصينات بذلك إلى أوراق تفاوض أيضاً. فإسرائيل تدخل أي اتفاق محتمل وهي تسيطر على أرض وتملك عمقاً دفاعياً وحرية حركة، ويمكنها ربط التراجع عنها بقيود أوسع على انتشار الجيش السوري وتسليحه في الجنوب.
يمتد أثر هذه الترتيبات إلى الأردن، لأن الطرف الجنوبي للمنظومة يصل إلى حوض اليرموك والمثلث الحدودي. وقد أدانت عمّان استئناف العمل في “صوفا 53” وربطته صراحة باتفاق 1974.
وكشف تحركات الأيام الأخيرة، إذاً، تحول خط قديم إلى ظهير خلفي لمنطقة أمن إسرائيلية متقدمة داخل سوريا. ومن شأن ذلك أن يجعل الخلاف في المفاوضات أكبر من الانسحاب من مواقع احتلت بعد سقوط النظام، إذ يصبح خلافاً على المكان الذي تريد إسرائيل أن يبدأ منه دفاعها مستقبلاً، وعلى مقدار السيادة العسكرية التي ستبقى لدمشق في جنوب البلاد.
النهار
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
