اخترنا لكمعرض وطلب

الاستثمار في سوريا.. بين وعود المليارات واختبار الواقع

تعهد مستثمرون أجانب بضخ مليارات الدولارات لإعادة بناء موانئ سوريا ومحطات الكهرباء وغيرها من مشاريع البنية التحتية. لكن البلاد تواجه الآن تحديا يتمثل في تحويل تلك الوعود إلى مشاريع فعلية تحتاج إليها البلاد لمعالجة الدمار الذي خلفته الحرب.

أنهت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوباتهما على سوريا عام 2025، كما تمضي واشنطن حاليا في إجراءات شطب البلاد من قائمة الدول الراعية للإرهاب. وقد جعلت هذه الخطوات دخول الشركات الأجنبية إلى سوريا أسهل بكثير، في وقت تواجه فيه البلاد فاتورة إعادة إعمار يقدرها البنك الدولي بنحو 216 مليار دولار.

الاستثمار في سوريا

وإذا تحولت الاتفاقيات الأولية إلى مشاريع فعلية، فقد تسهم في استعادة الخدمات الأساسية، وخلق فرص عمل، ودفع الحكومة إلى تعزيز النظام المصرفي ووضع أطر تنظيمية أكثر فاعلية. أما إذا بقيت مجرد مذكرات تفاهم على الورق، أو اعتمدت على امتيازات خاصة لا تحظى بها إلا الشركات ذات العلاقات النافذة، فلن تكون سوريا قادرة على بناء اقتصاد يمكن للشركات العادية أو المواطنين الوثوق به.

ويعود هذا الخطر إلى تاريخ سوريا الحديث، إذ دأبت عائلة الأسد التي حكمت لأكثر من نصف قرن على توجيه العقود والاحتكارات وغيرها من الامتيازات الاقتصادية إلى رجال أعمال موالين لها، ما أتاح لدائرة ضيقة تحقيق ثروات طائلة بفضل قربها من السلطة.

ورغم أن الرئيس السوري أحمد الشرع يتعهد بطي صفحة المحسوبية والفساد التي طبعت حكم بشار الأسد، الذي فرّ إلى المنفى في روسيا في ديسمبر 2024، فإن هناك أسبابا تدعو إلى التشكيك. فقد خلص تحليل أجراه معهد الشرق الأوسط لقانون الاستثمار السوري الجديد إلى أن السلطة التنفيذية ما زالت تتمتع بصلاحيات واسعة في منح التراخيص والحوافز وإتاحة الوصول إلى القطاعات ذات الأهمية الاستراتيجية. وإذا أصبحت كل شركة تفاوض بصورة منفردة على إعفاءاتها الضريبية وضماناتها القانونية وإمكانية الوصول إلى كبار المسؤولين، فقد تتجاوز الاستثمارات المؤسسات الضعيفة بدلا من أن تسهم في تقويتها.

وتكمن الفرصة الاستثمارية الحقيقية في تحويل متطلبات المستثمرين الأوائل إلى قواعد شفافة تنطبق على الجميع، لا على حفنة من الشركات ذات النفوذ.

رهانات مبكرة

جاءت أكبر التعهدات حتى الآن من دول الشرق الأوسط المجاورة لسوريا. ففي أغسطس 2025، وقعت دمشق 12 اتفاقية بقيمة 14 مليار دولار، شملت مشروعا للمطار مع قطر ومشروعا لمترو الأنفاق مع الإمارات. وجاءت هذه الاتفاقيات بعد حزمة أخرى من الاستثمارات السعودية بقيمة 6.4 مليار دولار. وتشير هذه الأرقام إلى اتفاقيات موقعة، لا إلى رؤوس أموال جرى ضخها بالفعل، لكن طبيعتها تكشف أن المستثمرين الأوائل يركزون على قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات، وهي القطاعات التي تعتمد عليها عملية تعافي سوريا بأكملها.

أما الشركات الغربية، فتدخل السوق السورية بصورة أكثر انتقائية، من خلال رهانات محدودة في قطاعات بعينها. فقد وافقت شركة الشحن الفرنسية “سي إم إيه سي جي إم” (CMA CGM) على استثمار 230 مليون يورو بموجب امتياز مجدد لمدة 30 عاما لإدارة وتوسعة ميناء اللاذقية، قبل أن توسع دورها لاحقا ليشمل عمليات الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي وميناءين جافين.

وفي قطاع الطاقة، وقعت مجموعة من الشركات مذكرة تفاهم لإجراء مراجعة فنية لقطاع بحري قبالة سواحل اللاذقية، فيما توصلت شركتا “كونوكو فيليبس” (ConocoPhillips) و” نوفاتيرا” (Novaterra) إلى اتفاق منفصل يهدف إلى إحياء إنتاج الغاز السوري.

ورغم أن هذه الاستثمارات لم تدخل حيز التنفيذ بعد، فإن النمط يبدو واضحا: فالمستثمرون الغربيون الأوائل يركزون على قطاعي الطاقة والخدمات اللوجستية، حتى وإن ظل التعافي الاقتصادي الشامل غير مؤكد.

لماذا الآن؟

المخاطر التي تجعل الاستثمار في سوريا صعبا هي نفسها جزء مما يجعلها وجهة جذابة للمستثمرين المستعدين للانتظار. وقال سنان حتاحت، الزميل البارز في المجلس الأطلسي ونائب رئيس الاستثمار والأثر الاجتماعي في “المنتدى السوري”، لـ”الحرة”، إن سنوات العزلة تركت رؤوس أموال كبيرة في دول الخليج وبين أبناء الجالية السورية من دون منافذ تتيح لها دخول السوق السورية. وأضاف: “الآن، ومع تراجع هذه القيود، يسعى المستثمرون إلى ترسيخ موطئ قدم لهم قبل أن تتغير ديناميكيات السوق”.

وأدت الحرب وعدم اليقين السياسي إلى انخفاض قيمة الأصول السورية، فيما خلق الدمار الذي أصاب البنية التحتية الحيوية طلبا واسعا في جميع القطاعات الأساسية. وقال حتاحت: “الأصول والفرص مقومة بأقل من قيمتها لأنها تتحمل علاوة مخاطر مرتبطة بالدولة. وبالنسبة للمستثمرين الذين يفكرون على المدى المتوسط والطويل، فإن هذه الظروف تبدو جذابة”.

المستثمرون يرسمون القواعد

ويرى حتاحت أن هؤلاء المستثمرين سيضطرون إلى الانخراط مباشرة في صياغة بيئة العمل. فالشركة التي تمول محطة كهرباء أو ميناء أو شبكة نقل لن تقبل ببساطة بالظروف القائمة، بل ستطالب بقواعد واضحة لتحديد الأسعار، وضمانات ضد خسائر تقلبات العملة، وآليات شفافة لتسوية النزاعات، وثقة بأن العقد الممتد لعقود سيظل قائما رغم أي تغير سياسي. وقد يدفع ذلك سوريا إلى وضع معايير تنظيمية تمتد لاحقا إلى قطاعات أخرى، بعدما تكون قد وُضعت في البداية لخدمة تلك المشاريع.

ويقدم القطاع المالي المثال الأوضح على ذلك. فقد دعا صندوق النقد الدولي إلى تعزيز استقلالية المصرف المركزي، وإجراء مراجعة لسلامة البنوك المالية، وإعادة تأهيل النظامين المصرفي ونظم المدفوعات في سوريا. وقال حتاحت إنه من دون قطاع مصرفي فاعل، لن تتمكن الشركات من الحصول على التمويل بصورة موثوقة، كما ستواجه مشاريع البنية التحتية صعوبة في تأمين التمويل طويل الأجل.

وجهة استثمارية انتقائية

ورغم الاهتمام المتزايد، فإن سوريا لا تزال سوقا لا يستطيع دخولها إلا نوع معين من المستثمرين. ويظل الوضع الأمني القيد الأكثر إلحاحا. فقد أسفر انفجاران عن إصابة 18 شخصا في وسط دمشق خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في يوليو، كما قال الرئيس التنفيذي لشركة “توتال إنرجيز” إن استمرار التدهور الأمني يجعل استئناف عمليات النفط البرية أمرا غير قابل للتطبيق. وبالنسبة للشركات متعددة الجنسيات، تتمثل هذه المخاطر في ارتفاع تكاليف التأمين والحماية واحتمال تأخير المشاريع. أما بالنسبة للشركات الأصغر، فقد تكون كافية لإفشال المشروع قبل أن يبدأ.

ثم يبرز سؤال آخر: ما الذي يمتلكه المستثمر فعلا في سوريا التي أنهكتها الحرب؟ فقد أدى الدمار الواسع والنزوح الجماعي إلى تعقيد قضايا الملكية العقارية، وحذرت دراسة للبنك الدولي من أن تدمير الوثائق والسجلات قد يجعل إعادة إثبات ملكية الأراضي والعقارات أمرا بالغ الصعوبة في بعض المناطق. وهذا يجعل المشاريع التي تحتاج إلى مساحات واسعة من الأراضي عرضة بشكل خاص للنزاعات مع السكان العائدين أو المالكين المتنافسين أو بسبب نقص السجلات.

وفوق ذلك، فإن الحصول على موافقة قانونية للاستثمار لا يعني بالضرورة سهولة تحويل الأموال. فما زالت الأنظمة المصرفية وأنظمة المدفوعات في سوريا بحاجة إلى إعادة تأهيل واسعة، ورغم إنهاء واشنطن برنامجها الشامل للعقوبات، فإن وزارة الخزانة الأميركية لا تزال تفرض عقوبات على شخصيات مرتبطة بنظام الأسد، إلى جانب أفراد وكيانات متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان أو الاتجار غير المشروع أو الارتباط بجماعات إرهابية.

كما غادر كثير من رجال الأعمال الذين شكلوا النخبة الاقتصادية في عهد الأسد البلاد بعد انهيار النظام، تاركين وراءهم شركات تأسست عبر شراكات معقدة وغير شفافة مع الدائرة المقربة من الرئيس السابق. وهذا التاريخ يجعل من الضروري التحقق بدقة ممن يسيطر فعليا على أي شريك أو أصل استثماري محتمل.

وتستطيع الشركات الكبرى إدارة هذه المخاطر عبر فرق قانونية متخصصة، وإجراءات امتثال واسعة، واتفاقيات مدعومة من الحكومات. أما معظم الشركات العادية فلا تستطيع ذلك، ولهذا أصبحت سوريا قابلة للاستثمار بالنسبة إلى مجموعة ضيقة من اللاعبين الاستراتيجيين، قبل أن تصبح سوقا استثمارية بالمعنى التقليدي.

ما الذي يجعل الاستثمار ناجحا؟

لن يكون مجرد انتقال المشاريع الجديدة في سوريا من مرحلة الأوراق إلى التنفيذ هو المعيار الوحيد للنجاح. فالاختبار الأعمق يتمثل فيما إذا كانت هذه الموجة الأولى من رؤوس الأموال ستخلق فرصا تتجاوز الشركات التي تدخل السوق اليوم. وهذا يعني وجود بنوك قادرة على تمويل الشركات الصغيرة، وقواعد تطبق بصورة متساوية على الجميع، وسوق لا يعتمد على العلاقات السياسية.

فسوريا لا تحتاج فقط إلى عدد محدود من الشركات المستعدة للمغامرة والمراهنة على استقرارها، بل تحتاج إلى أن تغير هذه الاستثمارات نفسها الظروف التي جعلت دخول السوق السورية مغامرة في المقام الأول.

الحرة

صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR

Visited 3 times, 3 visit(s) today