اخترنا لكمحكي الناس

العقود المؤقتة تجعل الأكاديميين بلا وطن فكري… وما الذي يمكن أن تتعلمه سوريا؟

يناقش مقال نشرته جريدة أخبار عالم الجامعات University World News التي تصدر في بريطانيا بعنوان “العقود تجعل الأكاديميين بلا وطن فكري” التحول العميق الذي تشهده الجامعات في مختلف أنحاء العالم نتيجة الاعتماد المتزايد على العقود المؤقتة والعمل الجزئي في توظيف أعضاء هيئة التدريس. ويرى المقال أن الجامعة التي كانت تقوم تاريخياً على الاستقرار الوظيفي والحرية الأكاديمية أصبحت، في كثير من الدول، أقرب إلى نموذج «اقتصاد العمل الحر»، حيث يعمل عدد متزايد من الأكاديميين بعقود قصيرة الأجل تفتقر إلى الاستقرار المهني.

ويستهل المقال بقصة أستاذ في جامعة كاليفورنيا – لوس أنجلوس (UCLA) اضطر إلى النوم في سيارته لأنه لم يعد قادراً على تحمل تكاليف السكن، رغم تدريسه في واحدة من أعرق الجامعات الأمريكية. ورغم أن هذه الحالة تبدو استثنائية، فإنها تعكس واقعاً يعيشه آلاف الأكاديميين الذين يضطرون إلى التدريس في أكثر من جامعة أو ممارسة أعمال إضافية لتأمين دخلهم.

العقود المؤقتة تجعل الأكاديميين بلا وطن فكري

ويشرح المقال أن نظام التثبيت الأكاديمي (Tenure) أُنشئ أساساً لحماية الحرية الأكاديمية، بحيث يتمكن الباحث من إجراء أبحاث طويلة الأمد ومناقشة القضايا الحساسة دون الخوف من فقدان وظيفته. إلا أن الضغوط المالية التي تعرضت لها الجامعات منذ سبعينيات القرن الماضي، إلى جانب التوسع الكبير في أعداد الطلاب، دفعت كثيراً من المؤسسات إلى استبدال الوظائف الدائمة بعقود مؤقتة أقل كلفة وأكثر مرونة. وتشير الإحصاءات إلى أن نحو 68% من أعضاء هيئة التدريس في الولايات المتحدة يعملون اليوم خارج نظام التثبيت الأكاديمي، كما انتشرت الظاهرة بدرجات متفاوتة في المملكة المتحدة وأستراليا وأوروبا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا.

اقرأ أيضا: أهم قرارات مجلس التعليم العالي تشمل الطلاب وأعضاء الهيئة التدريسية

ويقدم المقال مفهوماً لافتاً هو “التشرّد الفكري” (Intellectual Homelessness) ، الذي لا يعني فقط ضعف الدخل أو انعدام الأمان الوظيفي، بل شعور الأكاديمي بأنه لا ينتمي إلى الجامعة التي يعمل فيها. فالأكاديمي المتعاقد غالباً لا يمتلك مكتباً دائماً، ولا يشارك في صنع القرار، ولا يستطيع التخطيط لمشروعات بحثية طويلة الأجل أو بناء علاقات أكاديمية مستقرة مع زملائه وطلابه. ويرى الكاتب أن هذه الأوضاع تؤثر في جودة التعليم والبحث العلمي، وتضعف الإرشاد الأكاديمي والحرية الفكرية، وتحول الجامعة تدريجياً من «مجتمع للعلماء» إلى مؤسسة تقدم خدمات تعليمية.
الدلالات بالنسبة لسورية.

الجامعات السورية

يحمل هذا المقال دلالات مهمة بالنسبة لسورية في مرحلة إعادة بناء منظومة التعليم العالي. صحيح أن الجامعات السورية لا تعاني من الانتشار الواسع للعقود المؤقتة كما هو الحال في كثير من الدول الغربية، إلا أنها تواجه تحدياً لا يقل خطورة يتمثل في تراجع الأوضاع المعيشية لأعضاء الهيئة التدريسية، وضعف الرواتب، وهجرة الكفاءات، ومحدودية الموارد المخصصة للبحث العلمي.

ولعل المفارقة أن كثيراً من أعضاء الهيئة التدريسية في الجامعات العامة، رغم تمتعهم بوظائف دائمة، يضطرون إلى العمل بدوام جزئي في الجامعات الخاصة أو في أعمال استشارية ومهنية أخرى لتأمين متطلبات المعيشة. ورغم أن هذا الخيار يساعدهم على تحسين دخولهم، فإنه يقلص الوقت الذي يمكن تخصيصه للبحث العلمي، والإشراف على طلبة الدراسات العليا، والمشاركة في تطوير الجامعة وخدمة المجتمع. وبهذا المعنى، قد لا يكون الأكاديمي السوري «متشرداً فكرياً» كما وصف المقال حالة بعض الأكاديميين في الغرب، لكنه يواجه شكلاً آخر من التشتت المهني الذي يحد من قدرته على التفرغ للإبداع والإنتاج العلمي.

ومن هنا، فإن أي إصلاح للتعليم العالي في سورية ينبغي ألا يقتصر على تحديث التشريعات أو تطوير المناهج والبنية التحتية، بل يجب أن يشمل أيضاً تحسين البيئة المهنية والمعيشية لأعضاء الهيئة التدريسية، بما يوفر لهم مستوى معيشياً لائقاً يمكنهم من التفرغ لوظيفتهم الأكاديمية الأساسية. فالجامعات لا تُبنى بالمباني أو المختبرات أو التصنيفات العالمية وحدها، وإنما تُبنى بالعلماء والباحثين الذين يشكلون رأس مالها الحقيقي. والاستثمار في استقرارهم المهني وتحفيزهم على البحث والابتكار سيبقى أحد أهم الشروط لاستعادة الجامعات السورية دورها في إنتاج المعرفة، ودعم التنمية، والإسهام الفاعل في إعادة إعمار الوطن.

والموضوع المطروح للنقاش هو: ” إذا كانت الجامعة هي بيت المعرفة، فكيف نضمن أن يبقى الأستاذ الجامعي منتمياً إليها فكرياً ومهنياً، لا مجرد موظف يبحث عن مصدر إضافي للدخل؟”

دكتور وائل معلا

صفحة الفيس بوك :https://www.facebook.com/narampress

Visited 7 times, 7 visit(s) today