اخترنا لكمتقارير خاصة

الفرصة الأخيرة: هل نملك القرار لننقذ سوريا؟

خاص..
كل من يتابع ما حدث في سوريا خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، وردود الأفعال التي خرجت عن السياق الأدبي والوطني، لا بد أن يشعر بالحزن العميق على هذا التخلي المؤلم عن عقلية الدولة والتمسك بعقلية القبيلة. ومن تابع ردود الأفعال في إسرائيل، وتحديدًا ما قاله إيدي كوهين، يدرك تمامًا من المستفيد من تخلي الشعب السوري عن عقلية الدولة.

ما حدث بالأمس لم يكن وليد اللحظة، بل جاء نتيجة تراكمات عديدة، أبرزها عدم الانتقال من العقلية الفصائلية إلى العمل بعقلية الدولة، وتأخر إنجاز مجلس الشعب وقانون الأحزاب وتجاهل عمل الإدارة المحلية ، وعدم الاستماع إلى أصوات الناس وآلامهم، وتجاهل الملفات العالقة التي دفعت الناس للخروج والمطالبة بحقوقهم. وسأذكر بعض الأمثلة، لا على سبيل الحصر.

هل نملك القرار لننقذ سوريا

فعلى سبيل المثال، هناك ما يقارب عشرة آلاف موظف في هيئة البحوث العلمية السورية. ولمن لا يعرف، فإن من يُقبل في هذه الهيئة هم من خيرة العقول في الرياضيات والفيزياء والكيمياء. اليوم، أوضاعهم لا معلقة ولا مطلقة: لا رواتب، ولا يُسمح لهم بالاستقالة، وعليهم منع سفر. هؤلاء أساتذة وموظفون مدنيون يحملون العلم والمعادلات، لا علاقة لهم بحمام الدم الذي فُتح في عام 2011 وما زال مستمرًا. فهل يُعقل أن نتركهم دون حل لمشاكلهم أو اتخاذ أبسط قرار بشأنهم؟ ونحن دائمًا نؤكد: كل من يثبت تورطه في حمام الدم، لا أحد ضد محاسبته ويجب أن يحاسب لكن للأسف نجدهم في أحضان السلطة.

اقرأ أيضا: الجيش الإسرائيلي يبدأ تدريبات مفاجئة بمرتفعات الجولان لاختبار الجاهزية

ومن الأمثلة أيضًا: ما ذنب من التحق بالجيش في عام 2020، حين كانت الجبهات شبه ساكنة، وكان مكان خدمته بعيدًا عن خطوط القتال، ثم يُمنع من الحصول على الهوية الشخصية، وهو أبسط حق له كي يعمل أو يسافر؟ القانون الدولي ينص على أن كل من وُلد على هذه الأرض، حتى لو في السماء، له الحق في إثبات شخصيته. فلماذا نمنع هؤلاء من أبسط حقوقهم؟ مع التأكيد مجددًا أن كل من تورط بالدم يجب أن يُحاسب.

مطالب محقة

آلاف المساجين في السجون، ومن المؤكد أن القادة والمتورطين الحقيقيين قد فرّوا خارج البلاد. من بينهم من هو في الخدمة الإلزامية أو الاحتياط، ومنهم من لا يعرف استخدام السلاح، ومنهم من نُقل قسرًا إلى محافظات أخرى. اليوم، هؤلاء محرومون من أسرهم وأطفالهم، ومنهم أطباء ومهندسون وجامعيون لا علاقة لهم بالعسكر، بل مدنيون تم اقتيادهم قسرًا. لا أحد ينظر إليهم أو يحاول تفكيك أوضاعهم، أو الإفراج عن الأبرياء. عائلاتهم وصلت إلى حد لا يُطاق من الفقر والعوز، ولا يمكن لومهم إن خرجوا وهتفوا للمطالبة بإطلاق سراحهم.

اقرأ أيضا: خطة سلام طرحها الأردن لإنهاء الحرب في سوريا

عشرات الاف من المسرحين من الخدمة وجميعهم أعمارهم فوق 60 عاما من جميع المكونات دفعوا من أعمارهم ورواتبهم قبل 2011 للتأمينات الاجتماعية، وهذه المؤسسة هناك اتفاقات دولية وحماية لأموالها، وأموالهم مستثمرة في البنوك والبورصة، اليوم يتم حرمانهم من رواتبهم وجميع الوعود لدراستها ذهبت أدارج الرياح، كما ذهبت حقوق أطفال وسيدات بخلاف حول ملف لا يمكن حله الا بمصالحة وطنية، والتفكير بعقلية الدولة هؤلاء ماتوا مرتين من الفقر وتوقف رواتبهم، ومن ارتفاع تكاليف المعيشة ومن التنمر عليهم .

الحل، يا جماعة، بعقلية الدولة. هي حبل النجاة الوحيد للسوريين. وهذا الحبل، كي يبقى مشدودًا، يجب أن يتخلص من عقلية الفصيل ويتجه إلى عقلية الدولة، سواء بمركزية إدارية أو أو حتى بلا مركزية. قرار اللامركزية موجود في قانون الإدارة المحلية منذ سنوات، وهو مطلب دولي من سوريا. لكن، أياً يكن شكل الحكم، فإن الضامن الوحيد له هو عقلية الدولة. وحتى نخرج من هذه المعضلة، علينا أن نكرّس هذه العقلية.

دعوات مأجورة

البعض اعتبر أن الدعوات التي تصدر من خارج البلاد هي دعوات مأجورة من دول تسعى للضغط على الحكومة في وقت حساس. وهذا صحيح جزئيا، فاليوم لا نعلم من يضغط على سوريا: روسيا، إيران، تركيا، السعودية، إسرائيل، أمريكا، الإمارات، قطر، الأردن، العراق، وغيرهم. ولا ننسى أن المنطقة بأكملها يُعاد ترتيبها من لبنان إلى العراق وسوريا، والمصالح الاقتصادية في أوجها بين الدول الكبرى، بينما الشعب السوري وحده يدفع الثمن، ويرفض للأسف إغلاق باب التحريض والتخوين وعدم الثقة والمظلومية وحمام الدم.

اقرأ أيضا: سوريا على حافّة الحرب مجدّداً

عقلية الدولة، يا سادة، هي الوحيدة القادرة على حل هذه المشاكل العالقة، وفكفكة المطالب، وإغلاق خطاب الكراهية، وإنهاء المهاترات التي يقودها مؤثرون محسوبون على الحكومة الحالية ومن يعلو الصراخ بعبارات طائفية، وآخرون من خارج البلاد محسوبون على من يدفع لهم ثمن اقامتهم. هؤلاء، بصراعاتهم المقيتة، حوّلوا الساحة السورية من ساحة مثقفين وعقلاء إلى ساحة جهلاء، تسودها الإقصاء وتوسيع دوائر الانقسام ووصولها الى المدارس والصفوف وتعزيز الانقسام وخطاب الكراهية والتنمر .

على الجميع أن يبادر بالخطوة الأولى: التمسك بعقلية الدولة، والحكم وفق مبدأ “الجميع رابح” في الميزان السياسي والاقتصادي، لا بعقلية وجود “ثلاثة مصارف مركزية” في سوريا وعقلية سرقة الاستثمارات وعقلية من يحرر يقرر، .

هذا هو التوازن المطلوب اليوم للخروج من عقلية الفصيل والمنطقة والمظلومية إلى عقلية الدولة. قد تكون أمامنا فرصة أخيرة، وإن كانت ضئيلة، لاستثمارها. أما ضياعها، فسيكون ثمنه أقسى من قرارات بناء دولة، وأغلى من ثمن جمع المكونات على طاولة مصالحة وطنية . ويبقى السؤال الذي يسأله كل سوري : يا ترى، هذا القرار بيد من؟ وهل يُسمح لنا بذلك؟

A2Zsyria

صفحة الفيس بوك :  tps://www.facebook.com/narampress/

Visited 49 times, 1 visit(s) today