تقليص الوجود الأميركي بالعراق: هل باتت سوريا مركز الثقل؟
بعد سنوات من القتال المشترك ضد تنظيم “داعش” في العراق، تُعيد الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب رسم خريطتها العسكرية في المنطقة، مُعلنة خفض وجودها العسكري في بغداد وتحويل بوصلتها نحو الشمال وتحديداً إلى إقليم كردستان العراق، ليكون نقطة انطلاق لعملياتها في سوريا.
ترجمة لاتفاق استراتيجي
القرار، الذي يُعدّ ترجمةً لاتفاقٍ استراتيجي جديد مع العراق، لا يُقرأ فقط كتخفيض قوات، بل كإعادة تموضع تُبقي اليد الأميركية فاعلة في قلب الصراعات الإقليمية، تحت غطاء محاربة الإرهاب.
في المقابل، يطفو على سطح هذه الأحداث سؤال جوهري: هل باتت سوريا ورغم كل تعقيداتها، المسرح الأساسي الجديد للبنتاغون؟ أم أن “داعش” لم يعد سوى ذريعة لضمان بقاء النفوذ الأميركي في مثلث الحدود الحساس بين العراق وسوريا والأردن، وقطع الطريق على طهران وحلفائها؟
في التفاصيل، قال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل في بيان، إنه “وفقاً لتوجيهات الرئيس، وتماشياً مع اللجنة العسكرية العليا الأميركية العراقية والبيان المشترك الصادر في 27 أيلول 2024، ستُخفّض الولايات المتحدة وشركاء التحالف مهمتهم العسكرية في العراق”.
وأضاف: “يعكس هذا التخفيض نجاحنا المشترك في محاربة داعش، ويُمثّل جهداً للانتقال إلى شراكة أمنية أميركية عراقية مستدامة، بما يتوافق مع المصالح الوطنية الأمريكية، والدستور العراقي، واتفاقية الإطار الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والعراق”.
وتابع: “ستدعم هذه الشراكة الأمن الأميركي والعراقي، وتعزز قدرة العراق على تحقيق التنمية الاقتصادية، والاستثمار الأجنبي، والقيادة الإقليمية، وستواصل حكومة الولايات المتحدة التنسيق الوثيق مع حكومة العراق وأعضاء التحالف لضمان انتقال مسؤول”.
من مهمة قتال إلى شراكة أمنية
وتعقيباً على ذلك، اعتبر غازي حسين، سفير عراقي سابق في الأردن ومتخصص في العلاقات الدولية في حديثه لـ”المدن”، أن الهدف الرسمي هو الانتقال من مهمّة قتال واسعة النطاق إلى شراكة أمنية ثنائية تركز على التدريب والاستخبارات ومكافحة بقايا داعش، مع توجيه معظم القدرات التشغيلية نحو سوريا، حسب تعبيره.
ورأى أن هذا التحول: “يعكس توازناً بين حسابات أمنية ميدانية، وضغوط سياسية داخلية عراقية، ورغبة أميركية في حماية القوات وتقليص نقاط الضعف في بغداد”.
ولفت إلى أنه: “منذ إعلان انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق في أيلول/سبتمبر 2024 وبدء التحوّل إلى شراكات ثنائية، بدأت واشنطن تخطّط لسحب/إعادة تموضع عدد من القوات، ضمن إطار تقليص الحضور وتركز الدور على التدريب والرد السريع”.
مراقبون، اعتبروا أن القرار يعكس رغبة أميركية في تقليل نقاط الاحتكاك (مثل الهجمات على قواعدها في بغداد)، مع الحفاظ على نفوذها في المنطقة، خصوصاً عبر تحويل إقليم كردستان إلى قاعدة خلفية لعمليات مستمرة في سوريا.
وبحسب مراقبين، فإن أميركا لا تغادر، بل تُعيد ترتيب أدواتها، بمعنى أنها تُهدّئ بغداد، وتُثبّت وجودها في الشمال، وتُبقي يدها على زمام “محاربة الإرهاب” كذريعة استراتيجية للاستمرار في لعب دور صانع التوازنات الإقليمي.
ومن وجهة خبراء آخرين، فإن القرار الأميركي يشير إلى أن القوات المتبقية في العراق والمقدر عددها بأقل من ألفي جندي، ستركز على تأمين المنطقة من الناحية الإقليمية، وسيكون لهم مهمة ضد الإرهاب في سوريا أيضاً، وسيكون التركيز الأميركي كذلك منصباً على العمل مع العراقيين الأكراد في إقليم كردستان على مكافحة الإرهاب.
ووفق وجهة نظر المراقبين، فإن “داعش” باتت أضعف ومفكك أكثر ويتركز في مناطق متفرقة، في حين أن البنتاغون يقيم الواقع الأمني والعسكري في سوريا والعراق، ومن الممكن تغيير الاستراتيجية في حال كان هناك أي تطورات.
ثقل عسكري أميركي في سوريا
من جهته، قال المحلل السياسي المختص بالشأن التركي مهند حافظ أوغلو في تصريحات لـ”المدن”: “تحاول الولايات المتحدة الأميركية أن تحتفظ بثقلها العسكري والأمني في سوريا، تحديداً في المثلث الحدودي بين العراق والأردن وسوريا، لمحاربة الإرهاب، وعلى رأسه تنظيم داعش، والسبب المباشر لذلك هو مكافحة الإرهاب، أما السبب غير المباشر فهو منع إيران لاحقاً من إرسال فلولها وميليشياتها عبر الحدود العراقية السورية، سواءً إلى لبنان أو لافتعال أزمات في الداخل السوري، أو لتمكين الحشد الشعبي من خلط الأوراق في الملف السوري، ذلك لأن مثل هذه الخطوات ستنعكس إيجاباً على إيران وسلباً على دول المنطقة”.
وأضاف: “تعهّدت الولايات المتحدة بأن تكون متوافقة مع هذه الدول وما تريده من بسط الأمن في المنطقة، خصوصاً في ما يُسمّى بـ (محور الممانعة)، الذي تقوده سوريا، وبالتالي، فإن فك الارتباط بين العراق ولبنان عبر سوريا يعني قطع الطريق على إيران لمنعها من محاولة خلط الأوراق أمنيّاً”.
وتابع: “لذلك، فإن الاهتمام بسوريا ليس فقط لأهميتها، بل أيضاً بسبب التوافقات الإقليمية الرامية إلى ضمان استقرارها، وكذلك لقطع الطريق على إيران التي تحاول من خلال الحشد الشعبي وفيلق الفاطميين وفيلق الزينبيين، الوصول إلى حزب الله لتزويده بالتمويل والسلاح وغير ذلك، وبهذا، يتم قطع الطريق على طهران”.
ويشير كلام المحللين والخبراء، إلى أن سوريا في هذا السياق ليست هدفاً بذاتها، بل ساحة تنافس جيوسياسي، وبالتالي فإن الوجود الأميركي فيها أداة لضبط التوازن ومنع خصوم واشنطن من كسب موطئ قدم استراتيجي يهدّد مصالحها وحلفاءها.
أين تكمن المصلحة الأميركية؟
ووفق مراقبين، فإن مصلحة الإدارة الأميركية اليوم هي الحفاظ على الأمن والاستقرار في سوريا أكثر من العراق.
وهناك من يرى أن قيادة التحالف الدولي تحاول نقل الثقل العسكري إلى منطقة قد تشكل خطراً على القوات الأميركية وقواعدها المنتشرة في العراق على سبيل المثال، ومن هنا فإن هذه الخطوة قد تكون خطوة استباقية لدرء أي خطر قد يهدد القواعد العسكرية الأمريكية والتمركز في مكان بعيد مع استمرار مراقبة وتحركات أنشطة داعش.
وفي هذا الجانب، يرى الدكتور مشهور سلامة، باحث في العلاقات الدولية والدبلوماسية، أن قرار البنتاغون تقليص قواته في العراق وتحويل ثقل عملياته ضد “داعش” إلى سوريا عبر إقليم كردستان، يؤكد أن سوريا باتت المسرح الأساسي لمحاربة الإرهاب في الاستراتيجية الأميركية.
وذكر في حديثه لـ”المدن”، أن “العراق يُسلَّم تدريجياً لأجهزته الأمنية، بينما تُكرَّس سوريا كساحة مفتوحة لإبقاء اليد الأميركية فاعلة، في حين أن داعش لم يعد مجرد تهديد أمني، بل داعش أصبح ذريعة استراتيجية تتيح لواشنطن تثبيت وجودها في قلب التوازنات الإقليمية”.
وبيّن أن “اختيار كردستان كمنطلق يعكس رهاناً سياسياً على الشراكة مع القوى الكردية، وتجنب أي تنسيق مباشر مع دمشق أو حلفائها”.
أميركا تعيد تموضعها بالمنطقة
وفي النهاية، ومن وجهة نظر سلامة، فإن الولايات المتحدة لم تنسحب من المنطقة، إنما أعادت تموضعها، وبالتالي فإن سوريا اليوم هي مركز الثقل الجديد في معادلة (محاربة الإرهاب)، بما يحمله ذلك من انعكاسات على الداخل السوري والإقليم بأسره.
ووسط كل ذلك، تتباين الآراء حول تبعات الانسحاب الأميركي أو تخفيض قواتها في العراق والتمركز في إقليم كردستان، بين من يرى أن هناك تحديات تترتب على انسحاب القوات الأميركية ولكن في المقابل فإن القوات العراقية أقوى مما كانت عليه بعد أن كانت تعاني من حالة الانقسام، وبين من يرى أن هذا الانسحاب سيفسح المجال لإيران وميليشياتها لدعم بعض الأطراف في العراق لزعزعة الأمن والاستقرار وإحداث الاقتتال ما بين السنة والشيعة في المنطقة وزيادة التوتر بين الطرفين، وبين من اعتبر أن مشهد تنظيم “داعش” في سوريا هو مشهد معقد وسط تصاعد أنشطته في عدد من الساحات الأفريقية، في حين يعاني التنظيم في سوريا والعراق من عدم القدرة على عدم ترميم نفسه من جديد، إضافة إلى حالة الانقسام التي يعانيها داعش في بيته الداخلي.
المدن
صفحة الفيس بوك :https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
