اخترنا لكممش عيب

دفتر يوميات صحافي في بلد يمر بتحولات مفصلية

دفتر يوميات صحافي  … بعد ستة أشهر من جولته الأولى عبر الأراضي السورية، عاد وسيم نصر، صحافي فرانس24 المتخصص في الحركات الجهادية، ليجوب البلاد مجددا لمدة عشرة أيام. من دمشق إلى حلب، مرورا بحمص، منبج، وحتى دير الزور، المنطقة التي بقيت لفترة طويلة بعيدة عن متناول الصحافيين منذ فرار بشار الأسد. يأخذنا هذا الدفتر في رحلة داخل بلد يعيش تحولات عميقة، ويواجه تحديات إعادة الإعمار والوحدة الوطنية.

1- على أطلال حلب

كان من المفترض أن تبدأ هذه الرحلة من مطار دمشق، لكن الحرب بين إسرائيل وإيران غيرت الخطة. لذلك تم اختيار الشمال كنقطة انطلاق لجولة استمرت عشرة أيام عبر سوريا.
على الطريق المؤدي إلى حلب، المدينة التي دمرتها أربعة عشر عامًا من الحرب، يمر المشهد أمام العينين وكأنه لوحة دمار لا نهاية لها. لكن هنا وهناك، تشير كتل الإسمنت الموضوعة أمام المباني المدمرة إلى أن إعادة الإعمار قد بدأت. ويعود الأمل ببدء حقبة جديدة لسوريا، خاصة بعد أن خففت رفعت الدول الأوروبية واشنطن معظم عقوباتها لتسهيل عودة دمشق إلى النظام المالي الدولي وتشجيع الاستثمارات الأجنبية.

كما هو الحال في بقية أنحاء البلاد، يوفر النظام الجديد بقيادة أحمد الشرع ضمانات حماية للأقليات الدينية بعد مجازر مارس/أذار الماضي بحق الطائفة العلوية واندلاع مواجهات بين الدروز والجماعات المسلحة التابعة للدولة. لكن في منطقة حلب، يجب على السلطات أيضًا التعامل مع أغلبية سنية منقسمة بين أنصار الثورة وأنصار النظام السابق.

دفتر يوميات صحافي

 

رمز هذا التوازن الهش هو العلاقات المتوترة مع أعضاء سابقين في جماعة لواء الباقر المسلحة، الذين دعموا نظام الأسد سابقا ثم انضموا إلى التحالف المعارض واستقبلوا قوة خاصة من “هيئة تحرير الشام” كان لها دور أساسي في بداية المعركة، مما أدى إلى السيطرة على مدينة حلب، وهي الخطوة الحاسمة التي مهدت الطريق نحو دمشق. وبعد سبعة أشهر من سقوط بشار الأسد، ترى عشيرة البقارة التي ينتمي إليها اللواء أنهم لم يجنوا ثمار تحالفهم مع الحكام الجدد لسوريا.

في فسيفساء حلب، لا يزال الأكراد من “وحدات حماية الشعب” يسيطرون على أحياء الأشرفية والشيخ مقصود. من المفترض أن تعود هاتان المنطقتان تدريجيا إلى سيطرة الحكومة مع الحفاظ على قدر من الحكم الذاتي بموجب اتفاقيات أُبرمت في مارس/أذار الماضي لدمج الفصائل الكردية في الدولة السورية. وحتى الآن، وفقا لمصادر مطلعة، لم تحقق هذه الاتفاقيات نتائج حاسمة.

2- أنفاق منبج

في الشرق، وتحديدا في محافظة حلب، تظهر تحصينات منبج، التي كانت معقلا سابقا لتنظيم “الدولة الإسلامية” قبل أن تسيطر عليها القوات الكردية المدعومة أمريكيا، ثم استعادها الجيش الوطني السوري بدعم من الجيش التركي في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

تحت المدينة تمتد شبكة من الأنفاق، بعضها واسع بما يكفي لمرور المركبات. في المستشفى العسكري، الذي كان مقرا سابقا لوحدات حماية الشعب الكردية، توجد مداخل أنفاق مخفية خلف أبواب عادية. أما الجامعة الخاصة الواقعة على المرتفعات فهي مدمرة، لكن أعمال إزالة الأنقاض بدأت وهو ما يدل على استعداد إدارتها لعودة الطلاب إليها.

ومع ذلك، لا تزال التحديات كبيرة في هذه المنطقة التي تعاني من انتشار تجارة وتعاطي المخدرات وتكرار الهجمات المسلحة والتفجيرات الإرهابية. ففي فبراير/شباط الماضي، أدى انفجار سيارة مفخخة إلى مقتل ما لا يقل عن خمسة عشر شخصا، معظمهم من النساء. وهذه هي الهجمة الثامنة منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

كل من تحدثنا معهم يوجهون أصابع الاتهام إلى وحدات حماية الشعب الكردية، ويعتقدون أن جناحها المتشدد مستعد لفعل أي شيء لإفشال استعادة السيطرة على المدينة. منبج تمثل نموذجا للمشاكل التي قد تواجه الحكومة السورية في شمال شرق البلاد إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي وتنفيذه.

3- حمص ودمشق تحت الضغط

نتجه الآن إلى وسط سوريا ومدينة حمص، التي تواجه بدورها تحديات أمنية كبيرة وسط توترات طائفية مختلفة. فقد أصبحت حوادث الخطف شائعة هناك، ووفقا لمعلوماتنا، تم اختطاف نحو ستين امرأة من الطائفة العلوية خلال الأشهر الأخيرة بين منطقة حمص والساحل السوري.

تشهد حمص أيضا ارتفاعًا في جرائم القتل والاغتيالات المرتبطة بحملات منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُعثر على عسكريين أو عناصر ميليشيات سابقين ليتم قتلهم ثأرا. وترد الدولة السورية على هذه الأعمال بحملات اعتقال لعناصر النظام السابق لمحاكمتهم ومحاولة منع الثأر والحفاظ على التماسك الاجتماعي.

اقرأ أيضا:التراث السوري يُباع بالتقسيط في مجموعات الفيسبوك!

يوم الوصول إلى دمشق، في 22 يونيو/حزيران، وقع هجوم انتحاري استهدف كنيسة القديس إيليا في حي دويلا بدمشق. وتبنى الهجوم بعد يومين تنظيم متطرف سني مرتبط بتنظيم “الدولة الإسلامية” بحسب السلطات، ما أثار الرعب في المجتمع المسيحي وأضعف الثقة بالسلطات الجديدة.

خلال جنازة تسعة من الضحايا، أدان البطريرك اليوناني الأرثوذكسي لأنطاكية وسائر المشرق، يوحنا العاشر، “المجزرة غير المقبولة” وانتقد السلطات، داعيا إياها إلى “تحمل مسؤولياتها”. وقد بثت هذه التصريحات على التلفزيون السوري دون رقابة.

4- تدمر، الجوهرة المدمرة

تحت حرارة 45 درجة مئوية، وعلى طريق غير ممهدة، تفتح صحراء سوريا ذراعيها. على جانب الطريق، تظهر بقايا دبابة T-72 روسية الصنع، وهي من مخلفات المعركة الأخيرة مع القوات الموالية للحكومة القديمة. وعلى الطريق، تظهر سكة حديدية، وهي جزء من البنية التحتية الحيوية لنقل الموارد المعدنية التي تزخر بها المنطقة، خاصة الفوسفات.

لكن الخطر لا يزال قائما، إذ لا يزال تنظيم “الدولة الإسلامية” نشطا في المنطقة. ووفقا للمعلومات، نزح العديد من أعضائه إلى مدن مجاورة منذ سقوط النظام هربا من قصف التحالف الدولي، وبعضهم يخطط لهجمات بحسب المصادر المطلعة.

وأخيرا، تفسح الصحراء المجال لواحة تدمر الخضراء ومدينة الآثار الشهيرة التي دمر أجزاء منها تنظيم “الدولة الإسلامية” والغارات الروسية. حتى عام 2011 وبداية الحرب الأهلية السورية، كان يزورها أكثر من 150 ألف سائح سنويا لمشاهدة هذا الموقع المدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو.

وبالقرب من هناك، المدينة الحديثة، تدمر، التي تضم سجن تدمر الشهير، والتي أصبحت أنقاضا. ولا يسع المرء إلا أن يلاحظ ميل النظام السابق لبناء سجونه الأكثر رعبًا في مناطق سياحية قرب معالم عالمية، كما هو الحال في صيدنايا، وكأن عائلة الأسد أرادت جعل كل زائر لهذه الأماكن شريكا في جرائمها.

5- دير الزور: الحياة رغم الحرب

منذ سقوط بشار الأسد، لم يزر أي صحافي أجنبي دير الزور في أقصى شرق سوريا. وعلى الطريق، يصطف عدد هائل من شاحنات المساعدات الإنسانية القادمة من العراق. وبعد عقد من القتال المدمر الذي أدى إلى تدمير نحو 90% من المباني، لم تعد المدينة الواقعة على ضفاف الفرات سوى ظل لما كانت عليه.

كما أدى سقوط النظام السريع إلى ثلاثة أيام من النهب واحتلال قصير من قبل القوات الكردية. واليوم، لم يبقَ من سكان المدينة الزراعية المزدهرة سابقا سوى 154 ألف نسمة مقابل أكثر من 280 ألفًا قبل خمسة عشر عامًا. والمفارقة أن الإيجارات مرتفعة جدًا بسبب نقص المساكن الصالحة للعيش.

كانت المدينة تشتهر بجسورها التي تعبر الفرات، خاصة الجسر المعلق الذي بُني في أواخر العشرينيات في عهد الانتداب الفرنسي، لكن لم يبقَ شيء من هذه المنشآت التي دُمرت من قبل مختلف الأطراف خلال الحرب الأهلية. وللتنقل بين ضفتي النهر، أنشأ السكان جسرا وحيدا من الردم أو عادوا لاستخدام العبارات النهرية المعلقة بحبال ومدفوعة بمحركات جرارات زراعية.

وفي نهاية اليوم، عندما تخف الحرارة، يستمتع الكثيرون بالسباحة المنعشة على ضفاف النهر، حيث تبث المقاهي العائمة الموسيقى، في إشارة إلى أن الحياة مستمرة في سوريا رغم جراح الحرب العميقة.

فرانس 24

صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR

Visited 15 times, 1 visit(s) today