اخترنا لكمحكي الناس

قرار ليس وقته و لا يحق لمحكمة النقض التصدي لدستورية قوانين معتمدة منذ عقود

دفع قرار اتخذته الهيئة العامة السباعية لدى محكمة النقض في سوريا، الأسبوع الماضي، وقضى بالتوقف عن الحكم بين الأفراد بأي نص أو اجتهاد يقضي بالحكم بالفائدة القانونية أو بالتعويض الذي يجري مجرى الفائدة في الديون، إلى خلق جدل كبير بين أوساط الحقوقيين والقضاة، باعتباره شكّل سابقة، وأوقف العمل بآليات ظلت متبعة لعقود، وحصر الأمر في ما يتعلق بحقوق الأفراد، بينما تغاضى عن القضايا المشابهة لدى الشخصيات الاعتبارية، ومنها مؤسسات الدولة وشركات التأمين والمصارف الخاصة والعامة.

توقف الحكم للأفراد

وانتشرت عبر بعض الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي صورة عن قرار الهيئة السباعية لمحكمة النقض، من دون نشر القرار على أي من الصفحات الرسمية، وحمل توقيع رئيس الهيئة القاضي الشرعي أنس منصور السليمان، وأسماء الهيئة، وهم: محمد حاج حسن، عمر شيخ الأرض، محمد جمال الدين الخطيب، خير الله غنوم، طه منصور، عمار العاني.

وتضمّن نص القرار “التوقف عن الحكم بين الأفراد بأي نص أو اجتهاد يقضي بالحكم بالفائدة القانونية أو بالتعويض الذي يجري مجرى الفائدة في الديون والمبالغ التي تحكم بها المحاكم في الجمهورية العربية السورية وعلى مختلف درجاتها وأنواعها”، على أن يتم “تعميم هذا المبدأ على جميع المحاكم للعمل به”.

محكمة النقض

وأوضحت الهيئة العامة أنها اتخذت هذا القرار باسم الشعب العربي في سوريا، بناءً على طلب تلقّته من الغرفة المدنية الثالثة /ب/ لدى محكمة النقض، المؤلفة من رئيسها (القاضي الشرعي السابق لسوريا) محمود المعراوي، وأعضائها حسين إبراهيم ورياض شحادة، في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، والمتضمن اعتماد مبدأ قانوني حول الفائدة القانونية والتعويض الذي يأخذ معنى الفائدة، باعتبار الفائدة وكل زيادة ربوية على المبالغ المحكوم بها هي من الربا المحرّم بنصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وهي مخالفة للإعلان الدستوري الصادر بتاريخ 13 آذار/مارس الماضي.

وفصّل القرار الأسباب التي تم الاستناد إليها لصدوره، ومنها وجود تعارض بين نصوص المواد 227 وما بعدها من القانون المدني وبين نص المادة 3 من الإعلان الدستوري، وأن المادة 3 من الإعلان الدستوري النافذ نصّت على أن الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيس للتشريع، فهو يُعد من هذا الوجه قاعدة دستورية آمرة وملزمة لجميع سلطات الدولة بما فيها السلطة القضائية، وتُرتّب هذه المادة على القضاء أن يجعل من أحكام الفقه الإسلامي مرجعًا رئيسًا في وضع النصوص وتفسيرها وتطبيقها.

استثنى الشخصيات الاعتبارية

وانتقد الحقوقي والقانوني عارف الشعّال، في تصريح لـ”القدس العربي” القرار، معتبرًا أنه صدر بشكل مستعجل، وقال إن القرار خلق جدلًا كبيرًا وسط المحامين والقضاة، على اعتبار أنه أوقف التعامل بأسلوب ظلّ متّبعًا لعقود، وقد ظهرت معه إشكالية باعتبار أنه لا يحق للهيئة العامة لمحكمة النقض التصدي لدستورية النصوص القانونية، وخصوصًا أنه لا توجد في سوريا الجديدة محكمة دستورية.

وتابع: من الناحية العملية، القرار يُعطّل نصوصًا قانونية كثيرة كالمواد 228 وما بعدها من القانون المدني، والكثير من مواد قانون التجارة كالمواد 108 و158 و193، والمادة 452 من أصول المحاكمات الخاصة بغرامة الإنكار.

وأضاف: سابقًا، وفي حال رفض المدين الميسور تسديد المبلغ المستحق عليه، ورفع الدائن دعوى قضائية عليه قد تمتد لسنوات، كان القاضي يحكم على المدين بإلزامه دفع المبلغ المستحق وفوقه فائدة بنسبة 4% في الدين المدني أو بنسبة 5% في الدين التجاري، كتعويض عن نفقات المحكمة والمماطلة التي كانت تحرم الدائن من استثمار ماله وتشغيله خلال هذه الفترة، وتعويضًا عن الظلم الذي لحق به من مماطلة المدين الميسور. أما بعد قرار الهيئة العليا لمحكمة النقض، فإن هذا لم يعد ممكنًا.

وأكد الشعّال أن القرار يُؤخذ عليه أنه اقتصر على قضايا الأفراد فقط، دون قضايا الأشخاص الاعتباريين، وتحديدًا قروض وفوائد المصارف، والضرائب المالية المستحقة، وعقود الدولة التي يتم فيها فرض غرامات عند تأخير التنفيذ، وهذه الازدواجية في المعايير غير جائزة، ولم نعرف فقيهًا سمح للمصارف والشركات بتقاضي الفائدة ومنعها على الأفراد، معتبرًا أن هذه الانتقائية في تطبيق أحكام الفقه الإسلامي، وغضّ الطرف عن المصارف والشركات والجهات العامة، لا تليق بالهيئة العامة لمحكمة النقض إذا كانت حريصة على تطبيق شرع ربّ العالمين.

قرار ليس وقته

وأوضح الشعّال أن مبدأ الفقه الإسلامي هو مصدر رئيسي للتشريع، وهو قاعدة مُقرّة منذ دستور عام 1950، ومن ثم في دستور 1973، وأيضًا في دستور 2012، ولم يُستند إليه أحد طوال العقود السابقة للخروج بمثل هذا القرار الذي فتح بابًا كبيرًا للنقاش والجدل، وخصوصًا أن هناك العديد من النصوص القانونية المخالفة للشريعة الإسلامية، ومنها عقود الغرر كعقود التأمين التي تُعتبر في جزء كبير منها مخالفة للشريعة الإسلامية.

وقال إن تطبيق مثل هذا القرار على المصارف يعني دفعها إلى الإفلاس، ما يؤكد أن القرار اتُّخذ بنوع من الاستعجال وبانتقائية غير لائقة ولا عادلة.

واعتبر الشعّال أن إثارة مثل هذه المسائل الإشكالية والأزلية بين الشريعة والقانون، والتي يمتد عمرها لأكثر من 150 سنة، لم يكن اليوم وقتها، وإنما كان يمكن تأجيلها، على اعتبار أنها تحتاج إلى نقاش وحوار مطوّل من قبل المختصين.

Visited 18 times, 1 visit(s) today