اخترنا لكمعرب وغرب

هذه شروط إيران على أمريكا لوقف الحرب؟

تتسارع وتيرة الحراك الدبلوماسي في نيويورك لوضع حد لتصعيد المواجهة العسكرية المحتدمة في منطقة الخليج؛ إذ سلمت طهران اليوم الأربعاء حزمة شروطها لواشنطن لإنهاء الحرب ووقف الحصار الأمريكي، وذلك عبر وساطة قطرية قادت قنوات الاتصال في أروقة الأمم المتحدة، في مسعى لنزع فتيل انفجار إقليمي شامل وإعادة فتح ممرات الملاحة الدولية في مضيق هرمز.

ويأتي تسليم الاشتراطات الإيرانية عقب جلسة مباحثات عُقدت أمس الثلاثاء على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، جمعت بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف برعاية قطرية، بهدف اختبار فرص إحياء المسار الدبلوماسي وتجاوز حالة الجمود والتعثر التي أعقبت تفاهمات مذكرة يونيو/حزيران الماضي.

وفي مقابلات مختلفة مع الجزيرة نت، تفيد قراءة عدد من أساتذة العلاقات الدولية وخبراء السياسة بالمنطقة بأن المواقف المعلنة وما يدور في الكواليس يشيران إلى أن الشروط الإيرانية تنطلق من إستراتيجية مرحلية تفصل بين الملفات الضاغطة العاجلة (وقف الضربات العسكرية ورفع الحصار البحري واستعادة الأموال المجمدة) والملفات الإقليمية والنووية الأكثر تعقيداً.

شروط إيران على أمريكا

كما أن هذه المطالب تقوم على محددات أعلنها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني اللواء محسن رضائي، وهي تدعو إلى الإفراج الفوري عن الأصول المحتجزة، وإنهاء الحرب على سائر الجبهات من لبنان إلى غزة واليمن، والتوقف عن استهداف الأراضي الإيرانية وعدم التدخل في الشأن الداخلي.

وتميز تصريحات المحللين بين السقف الخطابي المرتفع الذي تتمسك به طهران في العلن باشتراط الرفع الكامل والفوري لكافة القيود، وبين المرونة الإجرائية في الغرف المغلقة إزاء الجداول الزمنية لتنفيذ الخطوات المتبادلة؛ ومن ضمنها مبادرة فتح مضيق هرمز تجريبيا لمدة 7 أيام، كإجراء مؤقت لاختبار جدية التراجع الأمريكي في خفض الضغط العسكري وفك الخناق الاقتصادي المفروض على الموانئ الإيرانية.

لا يُعد مضيق هرمز في العقيدة الإستراتيجية الإيرانية مجرد ممر بحري للتجارة الدولية، بل يمثل ورقة المساومة الأثقل وزنا في ميزان الردع الإيراني؛ وهو ما يجعل ملف الملاحة خاضعا لمقايضة أمنية واقتصادية مباشرة، وترفض طهران التنازل عنها من دون ضمانات حقيقية بإنهاء العمليات العسكرية وفك الحصار عن الموانئ.

وفي التوصيف المنهجي الذي يقدمه خبير الشؤون الإستراتيجية والأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد تتوزع المطالب الإيرانية على 3 مستويات متباينة:

شروط إنهاء الحرب.

شروط استئناف التفاوض.
شروط إجرائية خاصة بمضيق هرمز.

أما على المسار البحري، فتربط طهران فتح الممر برفع الحصار فورا عن موانئها، ووقف طلعات المراقبة بالأقمار الصناعية والمُسيّرات، وفتح ملف القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج باعتبارها بيئة تهديد دائمة، مع طرح خيار الفتح المؤقت لاختبار النوايا؛ انطلاقا من إدراك مفاده أن الفتح الكامل وغير المشروط يعادل تجريد الذات من ورقة القوة والتسليم بمطالب الخصم.

وتتكامل هذه الزاوية مع المقاربة التي يطرحها الأكاديمي والخبير في الشؤون الإيرانية الدكتور محجوب الزويري، والمتمثلة في أن صانع القرار في طهران محكوم بـ3 محددات رئيسية:

أولها البعد الاقتصادي الشامل (رفع العقوبات، واستعادة الأرصدة، وكسر الحصار البحري).
ثانيها زوال “فكرة التهديد الدائم” بقدرة أمريكا وإسرائيل على توجيه ضربات مباغتة لإيران وشبكة نفوذها.
ثالثها إرجاء الملف النووي إلى ما بعد تثبيت هذه المكتسبات.
ويضع الزويري -في تصريحاته للجزيرة نت- مقترح الأيام السبعة لفتح المضيق في سياق رغبة طهران في استرضاء الحليف الصيني والتعاطي مع ضغوط بكين الحريصة على تدفقات الطاقة عبر مضيقي هرمز وباب المندب.

وتأخذ أستاذة العلوم السياسية في جامعة قطر نافجة صباح البوعفرة الكواري التحليل إلى بعد آخر؛ حيث تندمج القضايا الاقتصادية والعسكرية والأمنية ضمن سلة تفاوضية غير قابلة للتجزئة، وتجعل التراجع في مياه الخليج رهنا بإجراءات أمريكية ملموسة تنهي التهديد العسكري والخنق الملاحي.

ومن إيران، يربط الكاتب والمحلل السياسي رضا غبيشاوي الشروط الراهنة بمسعى العودة إلى جوهر “مذكرة تفاهم إسلام آباد”، مستحضرا محددات المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني التي نصت على الوقف التام للحرب والتهديدات، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، وفك الحصار عن اليمن، والإفراج عن نحو 24 مليار دولار من الأصول، وحظر التدخل الأمريكي في البرامج الصاروخية والنووية.

أما مسؤول الملف الإيراني في مجموعة الأزمات الدولية حميد عزيزي فيلخص -في قراءته للجزيرة نت- تفاصيل الشروط الإيرانية في النقاط التالية:

الوقف الفوري للحرب على كافة الجبهات.
رفع الحصار البحري.
الإفراج عن الأصول المجمدة.
الإصرار على الاعتراف بالسيطرة الإيرانية على مضيق هرمز.
تقليص الوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة.
رفض إدراج الملف النووي في هذه المرحلة.
وحسب عزيزي، فإن هذه الاشتراطات تتماشى بوجه عام مع مذكرة التفاهم الموقعة في يونيو/حزيران الماضي؛ بحيث تعكس رغبة طهران الأساسية في العودة إلى بنود تلك المذكرة الأصلية من دون أعباء أو تنازلات جديدة.

تتعامل الإدارة الأمريكية مع الأزمة الراهنة من منظور “القوة العظمى” التي لا تمنح الخصم أي مكاسب مجانية أو إظهار التراجع أمام حلفائها وأمام الداخل الأمريكي؛ وهو ما يفرز حالة استعصاء بين الرغبة في وقف التصعيد وتجنب دفع الأثمان السياسية المسبقة.

ومن واقع قراءة المشهد في واشنطن، يضع أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة “برمنغهام” سكوت لوكاس الموقف الأمريكي أمام مسارين:

أولا- النهج الشامل الذي ترفضه الإدارة الأمريكية جملة وتفصيلا لعزوفها عن الالتزام بتنازلات مالية وعسكرية مسبقة.
ثانيا- النهج التدرجي الذي يمثل الصيغة الواقعية الوحيدة المتبقية.

ويوضح لوكاس -في تصريحاته للجزيرة نت- أن تحول جلسات نيويورك من مجرد “محادثات استكشافية حول المحادثات” إلى مفاوضات مكتملة الأركان يستوجب بالضرورة توفر إرادة أمريكية حقيقية للشروع في تقديم تنازلات مالية وعسكرية، والابتعاد عن منطق الإملاء الأحادي.

ويتوافق هذا الاستنتاج مع التحليل الذي يقدمه المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة الدكتور خالد الجابر؛ إذ تسلك واشنطن مسارا مزدوجا يجمع بين طاولة الحوار ومواصلة الضغط العسكري والاقتصادي.

ويضيف الجابر -في تصريحاته للجزيرة نت- أن واشنطن في الوقت الذي تعي فيه التكلفة الاقتصادية الباهظة لاستمرار الصراع وشلل الملاحة في هرمز، فإنها ترفض بشكل قاطع الظهور بمظهر المضطر للتفاوض أو المستجيب للضغط الإيراني، وتصر على أن يُصاغ أي اتفاق كإنجاز نابع من القوة الأمريكية وليس إذعانا لشروط طهران.

وتتعمق هذه القيود في ضوء ما يرصده الدكتور محجوب الزويري من انتهاج واشنطن سياسة التنازلات “بالقطارة”، حسب تعبيره؛ حيث تقلصت عروض الإفراج المالي تدريجيا من 24 مليار دولار إلى 12 مليارا، ثم إلى 6 مليارات، لتستقر عند 3 مليارات من دون إفراج فعلي.

وفي الاتجاه ذاته، يوضح مسؤول الملف الإيراني في مجموعة الأزمات أن إدارة ترمب لا تكتفي بمجرد إحياء الاتفاق السابق، بل تتطلع إلى انتزاع صيغة “مذكرة تفاهم بلس”؛ بحيث يُدرج الملف النووي ويُعالج مسبقا في صلب التفاهمات، بما يتيح للرئيس ترمب تسويق النتائج أمام الرأي العام والدوائر السياسية في الداخل الأمريكي بوصفها إنجازا كبيرا وانتصارا إستراتيجيا للإدارة.

وهذا التناقض في السلوك الأمريكي أشار إليه أيضا اللواء عبد الواحد -في تصريحاته للجزيرة نت- إذ إن الخطاب الرئاسي يقوم على ازدواجية المواقف التي تتأرجح بين الإشادة بمسار التفاوض صباحا والتهديد بالتدمير مساء.

دلالات الحراك في الأمم المتحدة

يمثل انتقال ملف التفاوض إلى أروقة الجمعية العامة للأمم المتحدة ولقاء وفدي البلدين تحولا إجرائيا بنقل إدارة الأزمة من لغة الاستهداف الميداني الصرف إلى محاولة تثبيت قنوات سياسية أساسية.

وفي قراءة محتوى هذا الحراك، تضع الدكتورة نافجة الكواري خطا فاصلا بين “استئناف القنوات الدبلوماسية” و”حدوث تقارب سياسي فعلي”؛ فاللقاءات وفرت مساحة لاختبار سقوف المطالب، غير أن جوهر الخلاف المتمثل في الحصار والملاحة والعقوبات لا يزال قائما، مما يجعل المحك الحقيقي مرتبطا بقدرة الطرفين على الانتقال من تبادل الشروط المسبقة إلى إجراءات تنفيذية متزامنة ومتدرجة.

وتتعزز هذه القراءة بالوقائع التنظيمية التي يلفت إليها الدكتور الزويري؛ إذ لم يكن لقاء عراقجي وويتكوف وليد الصدفة، بل جاء ثمرة تنسيق قطري مسبق أثمر مرونة أمريكية في منح تأشيرات دخول موسعة للوفد الإيراني شملت الرئيس ووزير الخارجية وفريقا من التقنيين والمفاوضين المطلعين على التفاصيل الدقيقة، على خلاف التضييق الذي شهدته السنوات الماضية.

ويعضد الكاتب رضا غبيشاوي مؤشرات التقدم الدبلوماسي بتوقف الضربات الأمريكية على الداخل الإيراني لعدة أسابيع، مما يمنح زخما لفرضية استمرار التفاوض الهادئ وإمكانية إعادة إحياء مسار اتفاق إسلام آباد.

أما الدكتور خالد الجابر فيلفت الانتباه إلى أن سقف التوقعات الراهن لا يستهدف “الاتفاق الكبير” أو إنهاء كافة أسباب الخلاف، بل يركز واقعيا على صياغة “اتفاق صغير” يكون معنيا بتجميد التصعيد، وإعادة تشغيل شريان الملاحة، وتثبيت قواعد اشتباك مؤقتة، تاركا القضايا الهيكلية لمراحل لاحقة. وهو ما يتناغم مع إشارة سكوت لوكاس إلى وجود مرونة إيرانية براغماتية في التفاوض المستتر تتجاوز صرامة الخطاب الإعلامي المعلن.

أهمية الوساطة القطرية

تتجاوز المقاربة القطرية لدور الوساطة الأنماط التقليدية لنقل رسائل التفاوض، لتتحول إلى إدارة دبلوماسية فاعلة تتكئ على موقع جغرافي متأثر مباشرة بتداعيات الصراع، وشبكة علاقات دولية متوازنة تمنحها ثقة العواصم الفاعلة.

وينطلق المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة من حقيقة أن الوساطة القطرية تجسد إدارة لخطر وجودي يمس استقرار المنطقة وصادرات الطاقة الخليجية جراء اضطراب الملاحة في هرمز، وليست مجرد ترف سياسي.

وهي في ذلك تستند إلى قدرتها على التحرك على خطوط الاتصال مع واشنطن وطهران في آن واحد، وصياغة حلول وسطى تمكن الطرفين من الابتعاد عن حافة الهاوية دون إعلان التراجع أو الإقرار بالهزيمة، حسب تعبيره.

وتضع أستاذة العلوم السياسة في جامعة قطر -في تصريحاتها للجزيرة نت- التحرك القطري في نيويورك ضمن سياق رؤية إستراتيجية أوسع للأمن الإقليمي الجماعي، وهي الرؤية التي طرحها أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وترى نافجة الكواري أن نجاح الوسيط يرتبط بقدرته على تفكيك المطالب القصوى إلى مراحل عملية، تنقل النزاع من منطق الاشتراطات إلى خطوات إجرائية تبدأ بالتهدئة البحرية كمدخل لتسوية أشمل.

وهنا يذهب اللواء محمد عبد الواحد -حسب تحليله- إلى إن الدبلوماسية القطرية يمكنها الاعتماد على خارطة طريق خماسية المراحل بالنظر إلى علاقاتها الوثيقة مع كل من واشنطن وطهران وعواصم القرار الدولي:

التهدئة العسكرية المتبادلة: تجميد كامل الهجمات والضربات المتبادلة في إيران ودول المنطقة.

التهدئة البحرية: إنهاء الحصار الأمريكي والسماح بإمدادات السلع والمواد الأساسية للموانئ الإيرانية، بموازاة وقف طهران لاحتجاز السفن واستهداف حركة الملاحة في هرمز.
التهدئة الاقتصادية: تدشين إجراءات متبادلة تتضمن إعفاءات أمريكية وإفراجا متدرجا عن الأرصدة المحتجزة مقابل مرونة إيرانية ملموسة.
المسار النووي: استئناف التفاوض كملف مستقل يتطلب حوارا فنيا معمقا يستغرق أشهرا لتنظيم الالتزامات والرقابة.
التسوية الأمنية الشاملة: إعادة بناء الترتيبات الأمنية المستدامة لمنطقة الخليج والممرات البحرية الدولية وصياغة علاقات إقليمية جديدة.

وفي ظل هذه التوازنات الدقيقة، يُبرز حميد عزيزي الأهمية الجوهرية لدور الوساطة القطرية في ردم الفجوات بين الطرفين؛ مشيرا إلى أن الدوحة سعت إلى ابتكار حلول وسط حيال النقاط الخلافية المعقدة أملا في بلوغ تفاهم -ولو كان مؤقتا ومرحليا- يوقف الأعمال العدائية ويفسح مجالا أوسع للدبلوماسية، مع تشديده على أن تعقيد المشهد الإقليمي وتشابك خيوطه يتطلبان الإبقاء على سقف تفاؤل حذر وواقعي.

ويخلص رضا غبيشاوي إلى أن النشاط الدبلوماسي القطري -الممتد عبر قنوات فاعلة شملت زيارات إلى طهران وبكين- يكرس مفهوم القوة الناعمة لدولة قطر في تسوية النزاعات المعقدة، ويفتح نافذة أمل حقيقية لاحتواء التصعيد، وتأمين تدفقات الطاقة العالمية، وإعادة الاستقرار إلى مياه الخليج العربي.

المصدر: الجزيرة

صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR