رسالة السوداني للشرع بين أنبوب كركوك – بانياس وهاجس داعش العائد
في خطوة وُصفت بأنها تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى حسابات استراتيجية معقّدة، حمل رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري، أمس الخميس، رسالة شخصية من رئيس الوزراء محمد شياع السوداني إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، خلال زيارة خاطفة إلى دمشق. الزيارة، بحسب مصادر عراقية مطلعة، لم تكن مجرّد تبادل عبارات دبلوماسية أو التذكير بعمق الروابط التاريخية بين البلدين، بل حملت في طياتها هواجس أمنية واقتصادية وسياسية متشابكة، تعكس موقع العراق الحرج في قلب عاصفة إقليمية مفتوحة على احتمالات شديدة الخطورة.
*الحدود الملتهبة.. أمن مشترك أم ثغرة مفتوحة؟
المحلل السياسي فيصل غازي أكد في حديث خاص لـ”عراق أوبزيرفر”، أن “زيارة حميد الشطري رئيس جهاز المخابرات إلى دمشق ولقائه الرئيس السوري أحمد الشرع تشكل استمراراً لاستراتيجية مهمة اتبعها رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني لتنظيم وتأطير العلاقات العراقية السورية في القضايا الأمنية، خاصة أمن الحدود، وكذلك القضايا المتعلقة بأنبوب النفط الاستراتيجي بين كركوك وبانياس”.
ويضيف غازي أن هذا المشروع “يشكل مصلحة استراتيجية للعراق وسوريا على حد سواء، إذ يمنح بغداد منفذاً حيوياً للاستمرار في تصدير النفط، ويوفر لسوريا مصلحة اقتصادية وطاقوية كبيرة”، مشدداً على أن الحدود تبقى واحدة من القضايا الأكثر أهمية في العلاقات بين البلدين.
ويشير المحلل إلى أن وجود قوات عراقية مسلحة على الحدود لا يلغي الحاجة إلى التنسيق مع دمشق، قائلاً: “رغم الجهود المبذولة لمنع أي تسلل إرهابي من سوريا، يبقى من الضروري ضبط الجانب الآخر من الحدود السورية عبر التنسيق مع النظام السوري، لمنع أي بؤر إرهابية تابعة لداعش أو القاعدة أو غيرها كما لاحظنا في الحقب السابقة، وضمان عدم تهديد الأمن والاستقرار في العراق وسوريا”.
ويتابع غازي موضحاً أن “العلاقات التجارية بين البلدين تشكل محطة استراتيجية لتطوير العلاقات الاقتصادية في مجال التجارة البينية والصناعات التحويلية وقضايا الطاقة وغيرها من الملفات الحيوية”.
ويرى أن التطورات الإقليمية قد تجعل من هذا التعاون أكثر إلحاحاً، مردفا: “إذا ما اندلعت الحرب، على سبيل الافتراض، بين واشنطن وطهران في الأسابيع القادمة، فمن المؤكد أن العراق وسوريا سيحتاجان إلى التنسيق لتفادي أي خسائر خطيرة على الشعبين”.
كما لفت غازي إلى أن الجانب الشعبي حاضر أيضاً في هذه المعادلة، قائلاً: “الشعب العراقي لديه اهتمام دائم بسوريا ولبنان والأردن على صعيد السياحة والعلاقات العلمية والجامعات والثقافة، ومن الممكن لهذه الزيارة أن تعزز الفرص الحقيقية لتعزيز السياحة”.
*خطوة حذرة لفهم سوريا الجديدة
أما المحلل السياسي علي الحبيب فقدّم قراءة مختلفة للقاء الشطري – الشرع، معتبراً أنه يحمل أبعاداً أعمق من التصريحات الرسمية.
وقال في حديثه لـ عراق أوبزيرفر: “هذا اللقاء، الثالث منذ سقوط نظام بشار الأسد، يبدو كخطوة عراقية حذرة لفهم سوريا الجديدة وتأمين مكانة بغداد في المشهد الإقليمي المعقد”.
ويضيف الحبيب: “العراق يحاول المشي على حبل رفيع. فهو يتعامل مع الشرع، الذي كان يوماً قائداً في جبهة النصرة، مما يثير تساؤلات حول نواياه واستقلاله، في وقت يحافظ فيه العراق على علاقاته مع الولايات المتحدة التي عبرت عن قلقها من عودة نشاط داعش والقاعدة”.
ويؤكد أن “مخاوف السفارة الأميركية تضع بغداد في موقف دقيق: كيف ينسق مع سوريا لتأمين حدوده الطويلة، التي كانت ممراً للإرهابيين، دون أن يفقد ثقة حلفائه الدوليين؟”.
ويرى الحبيب أن اللقاء يمثل محاولة عراقية لقراءة شخصية الشرع عن قرب، متسائلاً: “هل هو فعلاً مستقل، أم أن تركيا، التي ساعدته على الصعود، أو إيران، التي عرضت دعماً عسكرياً، تتحكمان بخياراته؟”.
ويشير إلى أن “الرسائل التي حملها الشطري من رئيس الوزراء العراقي تعكس رغبة بغداد في لعب دور الوسيط الإقليمي، مستفيدة من تاريخها مع سوريا وموقعها في التحالف الدولي”.
ويتابع: “هناك أيضاً طموح اقتصادي واضح، مثل إعادة فتح المعابر التجارية أو إحياء مشاريع مثل أنبوب نفط كركوك–بانياس لتعزيز الروابط بين البلدين. لكن الأمور ليست بهذه البساطة، فماضي الشرع يثير الريبة، خاصة مع وجود مخيم الهول وتأثير المليشيات الموالية لإيران على الحدود”.
ويخلص الحبيب إلى القول: “العراق نفسه منقسم داخلياً بين من يدعمون التقارب مع سوريا ومن يرون في الشرع تهديداً محتملاً، وهذا يجعل بغداد حريصة على تجنب الوقوع في فخ الصراعات الإقليمية سواء مع إيران أو إسرائيل، كما تظهر ردود الفعل المتباينة في الشارع العراقي. في النهاية، اللقاء خطوة لتعزيز الاستقرار عبر التعاون الأمني والاقتصادي، لكنه محفوف بالمخاطر بسبب خلفية الشرع وتعقيدات المنطقة”.
الرسالة الرسمية: تعزيز التعاون وحماية الجالية
من جانبه، كشف مصدر رفيع للوكالة الرسمية تابعته عراق اوبزيرفر، أن الشطري التقى الرئيس السوري أحمد الشرع في دمشق “بتوجيه من رئيس الوزراء، ونقل رسالة تتناول سبل تطوير العلاقات الثنائية وتجاوز التحديات المشتركة”.
وأضاف المصدر أن “اللقاء تناول مواضيع أمن الحدود ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى أوضاع الجالية العراقية في سوريا، وتم الاتفاق على زيادة التعاون الأمني لتعزيز الاستقرار في المنطقة”.
وأشار إلى أن “رئيس جهاز المخابرات زار أيضاً مبنى السفارة العراقية في دمشق والتقى القائم بالأعمال، واستمع منه إلى المشاكل التي تواجه أبناء الجالية العراقية في سوريا وسبل معالجتها”.
