اخترنا لكمعبي بالخرج

قسد ما بعد السويداء: ركيزة استقرار أم قنبلة مؤجلة؟

في ظل تصاعد الاشتباكات في السويداء، عاد الحديث عن واحدة من أعقد تحديات المرحلة الانتقالية السورية: إدماج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في البنية الجديدة للدولة. هذا الإدماج لا يُنظر إليه فقط كمسألة أمنية، بل كقضية سياسية مرتبطة بتجربة الحكم الذاتي المثيرة للجدل التي تمثلها قسد، والتي عمّقت الانقسامات داخل سوريا وأثارت قلقًا إقليميًا ودوليًا.

السويداء تكشف هشاشة المركز وصعود الأطراف

ترى المحامية الأمريكية المختصة بالأمن القومي، إيرينا تسوكرمان، أن تطورات السويداء أبرزت تصدع مركزية الدولة، مشيرة إلى التشابه بين التحديات في الجنوب السوري وتلك التي تواجه الأكراد في الشمال الشرقي. وتُحمّل النظام مسؤولية إشعال الاحتجاجات عبر استخدام ميليشيات بدوية، ما أعاد إنتاج ديناميكيات القمع التي دفعت المجتمعات المحلية لتأسيس بدائل حوكمية مثل قسد.
بحسب تسوكرمان، أصبحت واشنطن تعتبر قسد ركيزة استقرار سياسي لامركزي، لا مجرد أداة عسكرية، ضمن مسعى لتفادي انهيار سوريا بعد الأسد.

مرحلة ما بعد السويداء: شكل جديد للاندماج

يرى بسام إسحق، رئيس المجلس الوطني السرياني وعضو المجلس الرئاسي لـ “مسد”، أن السويداء شكّلت لحظة فاصلة، مؤكدًا أن أي اندماج لقسد يجب أن يكون طوعيًا وواقعيًا، وأن الدولة الجديدة يجب أن تكون شاملة وغير قسرية، وأن الأمن يُبنى على الثقة لا على العقاب. كما أشار إلى أن الموقف الأمريكي من الأحداث الأخيرة في السويداء وضع مصداقيتها موضع شك لدى الكثيرين.

رهانات باراك: اندماج مقابل مصالح إقليمية

بحسب تسوكرمان، فإن المبعوث الأمريكي توماس باراك يقود توجهًا يربط دمج قسد بصفقات إقليمية مع تركيا وقطر، في محاولة لحماية النفوذ الأمريكي دون إشعال الساحة السورية. وتحذّر من أن اندماجًا غير مدروس، دون تنازلات واضحة من النظام وضمانات لتركيا، قد يهدد العملية الانتقالية برمتها.

عقبات أمنية وهيكلية

يشدد الباحث جون روسوماندو على أن دمج قسد في المنظومة الأمنية الحالية مستحيل، نظرًا لوجود عناصر أمنية قاتلت سابقًا ضمن فصائل جهادية، وهو ما ترفض قسد التعاون معه. ويصف جهود باراك بأنها “صفقة تجارية تغفل التعقيدات السياسية والمجتمعية”.

اقرأ أيضا:قسد ترفض فرض لغة واحدة أو علم واحد في مناطقها

كما تؤكد تسوكرمان أن قوات سوريا الديمقراطية ليست كيانًا موحدًا، بل تحالفًا عريضًا من مجموعات كردية وعربية وآشورية، ما يتطلب تصميمًا دقيقًا لآلية الحكم والتمثيل كي لا يتحول الكيان إلى ميليشيا متنافسة تضعف فعاليته.

السيناريو المتوقع: اندماج مشروط واعتراف محدود

ترجّح تسوكرمان أن النموذج الواقعي للمرحلة القادمة قد يكون:
الاعتراف الجزئي بسيطرة قسد على مناطق معينة
تمثيل رمزي في مؤسسات الدولة
فرض قيود شكلية على الرموز القومية والأيديولوجية
الحفاظ على الهيكل الأمني لقسد مع غطاء سياسي
هذا السيناريو يمنح واشنطن غطاءً لاستمرار الدعم دون استفزاز تركيا أو الإخلال بالتوازن الإقليمي.

خريطة جديدة عبر تفاوض إجباري

بين دقة مواقف تسوكرمان، وتحذيرات روسوماندو، وتشديد إسحق على الدولة الحاضنة، يتشكل توافق ضمني على أن قسد ليست مجرد تفصيل، بل محور رئيسي في مستقبل سوريا. إدماجها بشكل قسري أو اختزاله لدور أمني سيُربك إعادة بناء الدولة، بينما الاعتراف الكامل بها دون تعديل عميق لبنية النظام سيواجه رفضًا إقليميًا ودوليًا.
لذلك، فإن التعامل مع قسد بوصفها “ضرورة اضطرارية” أصبح مقاربة أمريكية واقعية، لكنها محفوفة بالمخاطر إن لم تحترم التعقيدات المحلية والإقليمية.

المجهر
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR

Visited 24 times, 1 visit(s) today