مدونة الإعلام السورية… من يملك الحق في وضع المعايير الأخلاقية للمهنة؟
يشهد المشهد الإعلامي في سوريا تحولًا جديدًا مع إعلان وزارة الإعلام إطلاق “مدونة السلوك المهني والأخلاقي”، في خطوة رسمية تهدف — بحسب التصريحات — إلى تعزيز المهنية، مكافحة التضليل وخطاب الكراهية، وترسيخ حرية التعبير المسؤولة في ظل المتغيرات السياسية والإعلامية الراهنة. ورغم الطابع الإيجابي لهذا الإعلان، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الإعلام السوري: هل تمثل هذه المدونة بداية لانفتاح حقيقي، أم أنها تؤسس لوصاية جديدة على الكلمة الحرة؟ وهل تستطيع السلطة التنفيذية أن تلعب دورًا تنظيميًا دون أن تتحول إلى جهة رقابية تقيد الاستقلالية؟
المدونة التي أُطلقت في دمشق بحضور وزير الإعلام حمزة المصطفى وممثلين عن منظمات إعلامية وصحفيين، تتكون من نحو مئة صفحة تشمل معايير أخلاقية ومهنية، حماية الخصوصية والبيانات الشخصية، آليات متابعة ومساءلة، وميثاق شرف، إضافة إلى ملحق خاص بصنّاع المحتوى الرقمي. الوزير شدد على أن المدونة “ليست وصاية بل إطار مهني مشترك”، وأنها تهدف إلى “صون حرية التعبير من الاستخدام الهدّام” وتعزيز الثقة بين الإعلام والجمهور. هذه اللغة تبدو في ظاهرها مطمئنة، لكنها تثير في العمق جدلًا حول الجهة التي تضع المعايير، وحول ما إذا كان الإعلام السوري بحاجة إلى إطار تنظيمي صادر عن السلطة التنفيذية، أم إلى تنظيم ذاتي ينبع من النقابات والجمعيات المهنية المستقلة.
مدونة الإعلام السورية
رابطة الصحفيين السوريين، وهي منظمة مستقلة وعضو في الاتحاد الدولي للصحفيين، رفضت المدونة بشكل قاطع، ووصفتها بأنها “تدخل تنفيذي في شأن نقابي مستقل” و”محاولة لشرعنة الوصاية الحكومية”. رئيسة الرابطة مزن مرشد أوضحت أن الاعتراض ليس على فكرة الأخلاقيات المهنية، بل على الجهة التي أعدتها وأصدرتها، معتبرة أن ذلك يتناقض مع مبدأ استقلال المهنة والتنظيم الذاتي للصحفيين، ويخالف الإعلان الدستوري للمرحلة الانتقالية الذي يضمن حرية الرأي والتعبير واستقلال الجمعيات والنقابات. هذا الموقف يعكس جوهر الإشكالية: هل يمكن أن تكون الأخلاقيات المهنية أداة لتعزيز الحرية، أم أنها تتحول إلى وسيلة لتقييدها إذا جاءت من خارج الجسم النقابي المستقل؟
اقرأ أيضا: الاعلام الوطني ليس وجهة نظر ..
لغة المدونة تبدو في ظاهرها مطمئنة لكنها تثير في العمق جدلًا حول الجهة التي تضع المعايير وما إذا كان الإعلام السوري بحاجة إلى إطار تنظيمي صادر عن السلطة التنفيذية
منذ سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، شهد القطاع الإعلامي السوري تنوعًا غير مسبوق، مع انتشار عشرات الوسائل المستقلة والمنصات الرقمية التي تعمل بحرية نسبية داخل البلاد. لكن هذا الانفتاح ما يزال هشًا، كما يظهر في تقرير “مراسلون بلا حدود” لعام 2025، حيث تقدمت سوريا مرتبتين فقط في مؤشر حرية الصحافة (من 179 إلى 177 من أصل 180)، رغم انتهاء عقود من القمع الوحشي تحت حكم عائلة الأسد. المنظمة وصفت الوضع بأنه “هش”، مشيرة إلى أن حرية التعبير التي تحققت مؤخرًا ما تزال مهددة بالتوترات السياسية والضغوط الاقتصادية، خاصة على الصحفيات والإعلاميين من الأقليات الدينية.
التحديات التي تواجه الإعلام السوري
التحديات التي تواجه الإعلام السوري اليوم متعددة. هناك فراغ تشريعي ناتج عن تعليق قوانين الإعلام السابقة التي كانت أداة عقابية أكثر منها حماية، وفي غياب تشريعات جديدة تضمن حرية التعبير وتجرّم خطاب الكراهية أو التضليل، يبقى الباب مفتوحًا أمام ضغوط سياسية غير مباشرة أو محاولات للتحكم في الرواية الإعلامية. رابطة الصحفيين السوريين وثّقت 49 انتهاكًا بحق الحريات الإعلامية خلال عام 2025، مع تحول في توزيعها الجغرافي، ما يعكس أن الانتهاكات لم تختفِ بسقوط النظام، بل تغيّرت أشكالها ومصادرها.
إلى جانب ذلك، يعاني الإعلام المستقل من أزمة تمويل حادة بعد تراجع الدعم الخارجي الذي كان يتدفق خلال سنوات الحرب. هذا التراجع يهدد استدامة العمل الصحفي، ويجعل المؤسسات الإعلامية الجديدة عاجزة عن مواكبة التغييرات بالسرعة المطلوبة. أحد الشركاء الإعلاميين السوريين قال لمنظمة الدعم الإعلامي الدولي: “عملنا لسنوات على هذه اللحظة، واليوم نواجه موارد محدودة تجعلنا غير قادرين على مواكبة التغييرات بسرعة كافية”. هذه الأزمة المالية تضيف طبقة جديدة من الهشاشة إلى المشهد الإعلامي، وتجعل الاستقلالية عرضة للتآكل تحت ضغط الحاجة الاقتصادية.
في المقابل، أتاح سقوط النظام فرصًا جديدة: عودة صحفيين من المنفى، تأسيس وسائل إعلامية جديدة، وإمكانية تغطية نقدية للسلطة الانتقالية دون رقابة مسبقة. هذه المكتسبات تمثل تحولًا نوعيًا في تاريخ الإعلام السوري، لكنها تبقى مهددة إذا لم يُبنَ إطار قانوني مستدام يحمي الاستقلال الإعلامي ويضمن الوصول إلى المعلومات. المرحلة الانتقالية، بطبيعتها، هشة سياسيًا وأمنيًا، وأي فراغ تنظيمي قد يتحول إلى مدخل لإعادة إنتاج السيطرة أو الوصاية.
إرساء قواعد مهنية في مرحلة انتقالية
المدونة التي أطلقتها وزارة الإعلام يمكن أن تُقرأ بطريقتين: إما أنها محاولة لإرساء قواعد مهنية في مرحلة انتقالية تحتاج إلى تنظيم، أو أنها أداة لإعادة فرض سلطة الدولة على قطاع بدأ يتنفس بحرية نسبية. هذا التناقض يعكس الصراع الأوسع بين منطق الدولة ومنطق المجتمع المدني في سوريا الجديدة. فبينما ترى الوزارة أن المدونة “إطار مشترك”، ترى النقابات المستقلة أنها “وصاية”، والفرق بين القراءتين يكمن في سؤال الشرعية: من يملك الحق في وضع المعايير الأخلاقية للمهنة؟
اقرأ أيضا: 50 صحفيا يقذفون “حجرا كبيرا” على المسؤول عن الاعلام
الموقف من المدونة يعكس جوهر الإشكالية: هل يمكن أن تكون الأخلاقيات المهنية أداة لتعزيز الحرية أم أنها تتحول إلى وسيلة لتقييدها إذا جاءت من خارج الجسم النقابي المستقل؟
إذا نظرنا إلى تجارب دول أخرى في مراحل انتقالية، نجد أن الإعلام غالبًا ما يكون ساحة صراع بين السلطة والمجتمع. في السودان مثلًا، بعد سقوط نظام البشير، شهد الإعلام انفجارًا في الحرية، لكنه سرعان ما واجه ضغوطًا جديدة مع تصاعد الصراع الداخلي بين الجيش وقوات الدعم السريع. هذا المثال يوضح أن الحرية الإعلامية في المراحل الانتقالية قد تكون قصيرة العمر إذا لم تُحمَ بإطار قانوني ونقابي مستقل. سوريا اليوم تقف أمام تحدٍ مشابه: كيف يمكن ترسيخ حرية الإعلام في ظل مرحلة انتقالية مليئة بالتوترات؟
الجواب يكمن في بناء عقد اجتماعي جديد للإعلام، يقوم على استقلالية النقابات، حماية الصحفيين، وضمان الوصول إلى المعلومات. المدونة الحكومية يمكن أن تكون خطوة في هذا الاتجاه إذا تحولت إلى وثيقة توافقية يشارك فيها الصحفيون بحرية، لكن إذا بقيت أداة تنفيذية صادرة عن الوزارة، فإنها ستفقد مشروعيتها وتتحول إلى عبء جديد على حرية التعبير.
مطلوب إطار قانوني شامل
المطلوب اليوم ليس مجرد مدونة سلوك، بل إطار قانوني شامل يضمن حرية الصحافة، يجرّم خطاب الكراهية والتضليل، ويحمي الخصوصية والبيانات الشخصية. المطلوب أيضًا دعم مالي مستدام للإعلام المستقل، كي لا يصبح رهينة للضغوط الاقتصادية أو السياسية. المطلوب أخيرًا هو بناء ثقافة إعلامية جديدة، ترى في الحرية مسؤولية، وفي المسؤولية ضمانة للاستقرار.
التضامن خيار استراتيجي في مواجهة الأزمات. ما ينطبق على الدول ينطبق على الإعلام. الإعلام السوري يحتاج إلى تضامن مشابه بين مؤسساته ونقاباته، كي يتمكن من مواجهة التحديات المشتركة. فالتاريخ لا يرحم الأمم المنقسمة، والأزمات لا تنتظر حتى تنتهي الخلافات، والإعلام الحر هو الشرط الأول لإنجاح أي انتقال سياسي.
في النهاية، يمكن القول إن إطلاق مدونة السلوك المهني والأخلاقي في سوريا يمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية السلطة الانتقالية في احترام حرية التعبير. إذا كانت المدونة إطارًا مشتركًا بالفعل، فإنها قد تساهم في ترسيخ المهنية وحماية المجتمع. أما إذا كانت مجرد غطاء لإعادة إنتاج الوصاية، فإنها ستقوض المكتسبات الهشة وتعيد الإعلام السوري إلى دائرة التبعية. الخيار الآن بيد الصحفيين، النقابات، والمجتمع المدني، ليقرروا ما إذا كانوا سيقبلون بالوصاية أم سيصرون على استقلالية المهنة. الإعلام السوري ومعه الإعلاميون يقفون على عتبة مرحلة جديدة، وما سيُبنى عليها اليوم سيحدد ملامح مستقبل الإعلام لعقود قادمة.
العرب
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress
