اخترنا لكمعرب وغرب

سوريا ولبنان بين اتفاقيتين وهذا ما تغير

خمسة وثلاثون عاما تفصل بين اتفاقيتين حملتا عنوانا واحدا (العلاقات اللبنانية–السورية)، لكنهما وُقّعتا في سياقين سياسيين متناقضين. فاتفاقية عام 1991 وقّعت في ظل نفوذ سوري واسع على لبنان. أما اتفاقية 2026 فقد وقّعت بعد سقوط النظام السوري السابق وتبدّل موازين القوى في البلدين والمنطقة عموما.

وبين الاتفاقيتين، تبرز تساؤلات حول طبيعة الفوارق والبنود، وما إذا كانت الاتفاقية الجديدة تؤسس لعلاقة مختلفة تقوم على الندية والمصالح المشتركة خلافا للمرحلة التي كانت فيها دمشق تمارس نفوذا واسعا في بيروت.

وفي أول خطوة نحو مأسسة العلاقات بين لبنان وسوريا منذ سقوط نظام بشار الأسد في دمشق يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، زار وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني بيروت الأسبوع الماضي، ومن السراي الحكومي وقّع الشيباني إلى جانب رئيس حكومة لبنان نواف سلام اتفاقية لإنشاء “لجنة عليا لبنانية–سورية مشتركة”، والتي تهدف إلى توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات بين البلدين يجري الإعداد لها من خلال الوزراء المختصين في مختلف المجالات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والمالية والقضائية والأمنية.

كذلك ترتكز الاتفاقية على المبادئ الآتية: “احترام سيادة لبنان وسوريا واستقلالهما، المساواة الكاملة بين الدولتين، عدم التدخل في الشؤون الداخلية، حسن الجوار، احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتعزيز المصالح المشتركة بما يخدم الشعبين”.

أبرز الفوارق بين الاتفاقيتين

تكشف قراءة الاتفاقيتين أن الفوارق بينهما تتجاوز الظرف السياسي الذي أُبرمتا فيه، لتطال طبيعة الإطار الذي يحكم العلاقات اللبنانية–السورية. فمعاهدة “الأخوّة والتنسيق” لعام 1991 أنشأت “المجلس الأعلى اللبناني–السوري” كهيئة دائمة للتنسيق بين البلدين، تتمتع بقرارات نافذة ضمن الأطر الدستورية.

أما اتفاقية عام 2026، فتؤسس لـ”لجنة عليا لبنانية–سورية مشتركة” تُعنى بمتابعة إعداد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين الوزارات المختصة، وتستند إلى مبادئ احترام سيادة الدولتين واستقلالهما، والمساواة الكاملة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وحسن الجوار. وبينما اعتبر معارضو معاهدة 1991 أنها كرّست واقع الوصاية السورية، هل ستؤسس الاتفاقية الجديدة إطارا مختلفا للعلاقات؟

يصف الناشط السياسي بشارة خيرالله الاتفاقية الجديدة بأنها “سحبت لبنان من اتفاقية وصاية إلى اتفاقية ندية وإلى شراكة حقيقية بين بلدين ذواتي سيادة، فكل بلد من البلدين وفقاً للاتفاقية الجديدة سيحترم سيادة الآخر وخصوصية الآخر.
ففي جميع بنود الاتفاقية الجديدة هناك مساواة بين لبنان وسوريا وهناك رئيسان للجنتين، اللجنة اللبنانية لديها رئيسها واللجنة السورية لديها رئيسها وكل بلد يسمي أعضاء لجنته، بالمختصر هذه الاتفاقية مبنية على شراكة ندية واحترام متبادل، بينما اتفاقية الـ1991 لا شرعية لها كونها وقّعت تحت واقع احتلال”.

بعد عقود من العلاقات المعقدة والتشابك السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين، أتت سوريا الجديدة لتعيد رسم العلاقات إلى صيغة مختلفة تندرج وفق مبادئ السيادة والندية

العلاقة الندية

من جهته رأى النائب اللبناني السابق فارس سعيد أنّه “قبل تقييم الاتفاقية أو مقارنتها، علينا أن نعرف بداية ما هو مضمون هذه الاتفاقية، ففي مرحلة الوصاية السورية أنشئ ما يسمى المجلس اللبناني-السوري، اليوم استبدلنا هذا المجلس بهيئة عليا مشتركة للعلاقات اللبنانية-السورية، بينما نحن كنا قد وصلنا في عام 2008 لتمثيل دبلوماسي بين البلدين، اليوم بعد زيارة الوزير شيباني أعلن عن اتفاقية لإنشاء هيئة عليا مشتركة قد يكون هذا الأمر ممتازا، إنما السؤال الذي يطرح: هل التمثيل الدبلوماسي بين البلدين لا يكفي لإدارة المصالح المشتركة؟ وأيضا كيف ستعمل هذه الهيئة وما هي صلاحياتها وما هي الملفات التي تعود لها والملفات التي تعود إلى السفراء؟”.

اقرأ أيضا:خسائر لبنان من الحرب 4 مليارات دولار

وتابع سعيد في حديثه مع “المجلة” “كذلك لا يمكن أن نتغاضى عن سؤال حول توقيع الاتفاقية بين رئيس الحكومة ووزير الخارجية، لماذا لم تحترم الأحجام السياسية، ولماذا لم توقع من قبل رئيسي الدولتين، لذلك ما حدث في هذه الزيارة فتح عنوانا جديدا اسمه العلاقات اللبنانية-السورية الجديدة. ما نتمناه وما نريده هو التوفيق لسوريا الجديدة بإنقاذ سوريا والنجاح في نقل البلاد من مرحلة الأسد الظالمة إلى مرحلة حديثة منفتحة يجد المواطن السوري فيها حريته وعدالته، كما أيضا نتمنى أفضل العلاقات وأقصى درجات التعاون والتنسيق، مقابل أوضح صورة للسيادة والاستقلال”.

أما النائب السابق عن مدينة طرابلس مصطفى علوش فقد أكّد في حديثه مع “المجلة” أن “كل الاتفاقات السابقة وقّعت في ظل الاحتلال السوري وظلت شكلية كون النظام السوري السابق كان يفرض سياسته على لبنان بغض النظر عن أي اتفاقية قائمة، حتى الشخصيات التي كانت تعيّن لبنانيا لإدارة هذا الملف كانت سورية التوجه، الآن الوضع مختلف ولبنان لديه مصلحة أكثر من سوريا لبناء علاقات موثوقة تنعكس على مصلحة البلدين على مختلف المستويات إن كان بالسياسية أو الأمن أو الاقتصاد”.

من الوصاية إلى الشراكة 

إذن بعد عقود من العلاقات المعقدة والتشابك السياسي والأمني والاقتصادي بين البلدين، أتت سوريا الجديدة لتعيد رسم العلاقات إلى صيغة مختلفة تندرج وفق مبادئ السيادة والندية وفقا لتصريحات مسؤوليها، فهل انتهت حقبة الوصاية إلى غير رجعة؟

في هذا السياق، أكّد خير الله في حديثه مع “المجلة” أنه “حتى هذه اللحظة نظام سوريا الجديد يتعاطى بإيجابية مع لبنان دولة وشعبا، حتى بعد كلام الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن تدخل سوري لحل قضية سلاح “حزب الله”، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع صراحة أنّه لن يتدخل في الشؤون الداخلية في لبنان، وهذه التصريحات لا توحي بأن النظام الجديد في سوريا يريد وراثة النظام السابق لناحية الهيمنة على لبنان، بل يظهر مرة بعد مرة احترامه لخصوصية هذا البلد ومرجعياته، وزيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني للمرجعيات المتنوعة في لبنان تؤكد أن سوريا الجديدة تريد علاقة مختلفة مع لبنان وهي منفتحة على جميع مكوناته”.

اقرأ أيضا:نتنياهو: سنبقى في جنوب لبنان طالما دعت الحاجة

وختم خير الله: “علينا كلبنانيين تشجيع الرقي الذي يتعاطى فيه النظام السوري الجديد مع لبنان، وليس تدميره، ما نعيشه اليوم في العلاقات مع سوريا هو ما ناضل من أجله اللبنانيون لعقود في زمن النظام السابق”.

لبنان وسوريا اليوم أمام اتفاقية تفتح صفحة جديدة لا يزال الحكم عليها مرهونا بترجمة مبادئ السيادة والندية إلى خطوات عملية تؤسس فعلا لعلاقات تقوم على مبدأ المصالح المشتركة

إذن، بعد اتفاقية ارتبطت بمرحلة سياسية انتهت، فإن لبنان وسوريا اليوم أمام اتفاقية تفتح صفحة جديدة لا يزال الحكم عليها مرهونا بترجمة مبادئ السيادة والندية إلى خطوات عملية تؤسس فعلا لعلاقات تقوم على مبدأ المصالح المشتركة بين البلدين.

المجلة

صفحة الفيس بوك:https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR

Visited 16 times, 16 visit(s) today