الصراع على سوريا يعيد تشكيل أمن شرق المتوسط
ربما أرادت إسرائيل بتدمير مطار أبو الظهور في شمال غرب سوريا، توجيه رسالة قوية إلى تركيا، ترسم خطا أحمر لدورها في الشرق الأوسط، لا تريد إسرائيل لها أن تتخطاه. ويلاحظ أن إسرائيل تستخدم الولايات المتحدة واليونان في توصيل رسائل أخرى للغرض نفسه، تتعلق بحدود تطوير القوة الجوية والبحرية التركية والسيادة على بحر إيجه والتنقيب عن النفط والغاز في شمال شرق البحر المتوسط.
الهجوم الجوي الإسرائيلي على مطار أبو الظهور ليس مجرد اعتداء على السيادة السورية، وانتهاكا لمجالها الجوي فقط، بل إنه يتعلق أساسا بملامح مرحلة جديدة من مراحل إعادة تشكيل الهيكل الأمني الإقليمي في الشرق لمرحلة ما بعد الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، ونهاية ائتلاف الحرب العالمية على الإرهاب.
تشكيل أمن شرق المتوسط
إسرائيل تريد أن تقول لتركيا والدول العربية وإيران، إن الصراع على سوريا يبدأ الآن، وأن أي وجود أجنبي في سوريا سوف تتعامل معه على أنه وجود معاد لها.
اقرأ أيضا: تفاصيل إنزال اسرائيلي في مصياف
إسرائيل ببساطة شديدة لا تريد دولة قوية على حدودها، ولا تريد حليفا قويا لدولة ضعيفة قد تستعين به لحماية حدودها. وقد اشترطت إسرائيل على سوريا في المفاوضات الأمنية، ضمن شروط أخرى، الالتزام بعدم إقامة تحالفات عسكرية مع دول أخرى. في الوقت نفسه فإنها منحت قواتها ترخيصا لضربها متى شاءت وأينما أرادت، على الرغم من الحوار الأمني المشترك برعاية الولايات المتحدة.
وتؤكد الاستراتيجية الإسرائيلية في التطبيق العملي تجاه سوريا مركزية أربعة مبادئ أساسية، الأول هو إقامة منطقة أمنية داخل سوريا تمتد من هضبة الجولان إلى ريف دمشق مرورا بمحافظة السويداء. أدوات إقامة هذه المنطقة الأمنية تتضمن ثلاثة مستويات، الأول هو احتلال الجولان، بما في ذلك المثلث الحدودي بين إسرائيل والأردن وسوريا، والمستوى الثاني هو إقامة تحالفات مع قوى تعمل معها بالوكالة (مثل القوات الكردية وشخصيات وقبائل درزية) مع الاتجاه إلى تسليحها، والمستوى الثالث هو بناء نفوذ داخلي قوي في المناطق الريفية والقرى الممتدة حتى ريف دمشق.
المبدأ الثاني هو عدم السماح بتطوير بنية أساسية عسكرية، أو قدرات قتالية سورية بالقدر الذي يعزز قوة الدولة ويمنحها القدرة على أداء مهامها السيادية، في ما يتعلق بالمحافظة على وحدة أراضيها، أو الدفاع عن حدودها. إسرائيل تريد أن تكون سوريا دولة فاشلة تكرر النموذج اللبناني، على أن تلعب قوات سورية الديمقراطية الكردية دورا معادلا لدور حزب الله في لبنان، في ما يتعلق بالسلطة المركزية. وقد دمرت الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة منذ سقوط نظام الأسد، أركان البنية الأساسية العسكرية التي تبقت في سوريا بعد انتهاء الحرب الأهلية.
ملء الفراغ الأمني في سوريا
المبدأ الثالث هو عدم السماح لأي قوة إقليمية محورية (إيران أو السعودية أو تركيا) بالتحرك لملء الفراغ الأمني في سوريا، الذي نشأ بعد إنهاء النفوذ الإيراني وتضاؤل النفوذ الروسي وانحسار الوجود الأمريكي (مع الانسحاب من العراق).
إسرائيل تريد أن تقول لتركيا والدول العربية وإيران، إن الصراع على سوريا يبدأ الآن، وأن أي وجود أجنبي في سوريا سوف تتعامل معه على أنه وجود معاد لها
المبدأ الرابع هو تشجيع الاتجاهات الانفصالية والدعوة إلى تقسيم سوريا. ويتضمن ذلك تعزيز العلاقات مع القوات الكردية وجماعات من أنصار النظام البعثي القديم، على التوازي مع تقوية التحالف مع الدروز.
وكنت قد ذكرت في مقالي الأسبوع الماضي، أن الهيكل الأمني والدفاعي الإقليمي للشرق الأوسط حاليا يتشكل من خمسة أنساق فرعية قد يتقاطع واحد منها مع الآخر. النسق الأول يتعلق بمواجهة التهديد الإسرائيلي (المشرق).
والثاني يتعلق بالتهديد الإيراني (الخليج). والثالث يتعلق بتهديد الملاحة في البحر الأحمر (باب المندب). الرابع يتعلق بتهديدات تداعيات وجود الدول الفاشلة والصراعات المسلحة على السلطة في المنطقة الممتدة من الصومال جنوبا إلى ليبيا شمالا مرورا بالسودان (القرن الأفريقي الكبير).
ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية البحرية
النسق الدفاعي الفرعي الخامس يتعلق بتهديد النزاعات بشأن ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة لكل دولة وحقوق السيادة عليها ومنصات وأنابيب الغاز والأزمة التاريخية العالقة نتيجة تقسيم جزيرة قبرص (شرق المتوسط). خطورة الاعتداءات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور هي أنها تقيم جسر اتصال ممتد بين هذه الأنساق الدفاعية الفرعية، وتعزز احتمالات زيادة التوتر وزعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، وقد تؤدي أيضا إلى إعادة صياغة طبيعة التهديدات الخمسة، وتعزز اصطفافا دفاعيا أوليا ضد إسرائيل وليس ضد إيران.
اقرا أيضا: الجيش الاسرائيلي يقطع الطريق بين حرفا وبيت جن
إن الهجوم الإسرائيلي على قاعدة عسكرية سورية مهما كانت صغيرة أو مهجورة، من شأنه التأثير على الدور التركي في الشرق الأوسط داخل عدد من الأنساق الفرعية للدفاع الإقليمي في المشرق، من خلال علاقتها بحماس، وفي الخليج وباب المندب من خلال حلف مكة الجديد، وفي القرن الافريقي الكبير من خلال وجودها العسكري في الصومال وليبيا، وإعادة توجيه بوصلة «التهديد» تجاه إسرائيل وليس إيران.
المبعوث الأمريكي لشؤون سورية والعراق توم براك لا يستبعد احتمال أن تكون الاعتداءات الإسرائيلية «عملا عسكريا استفزازيا» لاختبار مدى قدرة تركيا على الرد.
وقد سجلت التفاعلات الدبلوماسية خلال الـ 72 ساعة اللاحقة لتدمير القاعدة الجوية السورية، مدى براعة الدبلوماسية السورية التي سعت إلى قطع الطريق على التصعيد وبناء جسر للتهدئة؛ انطلاقا من أن التصعيد ليس في مصلحة سوريا وإنما دعوة لزيادة الضغوط العسكرية الإسرائيلية. وكان اللقاء بين أسعد الشيباني وزير الخارجية السوري ورومان غوفمان رئيس المخابرات الإسرائيلية (الموساد) في الأردن يوم الأحد الماضي، علامة بارزة على الاتجاه إلى التهدئة.
إقامة مناطق أمنية داخل الأراضي السورية
وقد ترافق هذا اللقاء بحملة إعلامية قوية شملت لقاء الشيباني مع وكالة رويترز، الذي حدد فيه أهداف السياسة السورية تجاه إسرائيل: وقف الاعتداءات وإعادة التفاوض بشأن اتفاقية أمنية تشمل الانسحاب الإسرائيلي من الجولان والتسليم بإقامة مناطق أمنية داخل الأراضي السورية، تشرف عليها قوات دولية.
اقرأ أيضا: الجيش الاسرائيلي يتوغل في درعا
دبلوماسية دمشق تمثل خطوة تجاوزت واقعة الاعتداء على أبو الظهور، إلى وضع نظام يضمن عدم تكرار مثلها. ومن الواضح أن أنقرة وواشنطن لا تقفان بعيدا عن أهداف الدبلوماسية السورية، حيث اقترح المبعوث الأمريكي إقامة نظام جديد للإنذار المبكر – فض الاشتباك (deconfliction) يضم تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، لتجنب وقوع صدامات مسلحة بين إسرائيل وتركيا في الأراضي أو الأجواء أو المياه الإقليمية السورية.
هذه التفاعلات الدبلوماسية تقطع الطريق على التصعيد، الذي يتطلع إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي في فترة التعبئة السياسية التي تسبق الانتخابات العامة المقررة في أواخر أكتوبر المقبل، على التوازي مع إجراءات التصعيد الحالية في غزة والضفة الغربية وجنوب لبنان.
الضربة الجوية الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور
أعود إلى العلاقة بين الضربة الجوية الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور، وإعادة تشكيل هيكل الدفاع والأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، بعد اكتمال انسحاب القوات الأمريكية من العراق في نهاية الشهر القادم. هذا الانسحاب، في حال إتمامه، يؤكد استمرار استراتيجية الانسحاب العسكري الأمريكي من الشرق الأوسط (من دون التأثير على الالتزامات الدفاعية الثنائية). ويثير الانسحاب إشكالية الفراغ الدفاعي داخل المنطقة وحدوث سباق على ملئه بواسطة قوى من داخل الإقليم أو من خارجه. والحقيقة أننا لا نجد مؤشرات على تدخل لملء الفراغ من دول خارج الإقليم بمعناه الأوسع.
لا الصين ولا روسيا تسعيان إلى التدخل، فالصين تجني وهي في مكانها حصادا إيجابيا لقوتها في الشرق الأقصى، وجنوب شرق آسيا (لاحظ أن سحب حاملة الطائرات جورج واشنطن من الشرق الأقصى إلى مسرح العمليات في الشرق الأوسط يترك منطقة العمليات الشرقية من دون حاملات طائرات أمريكية تماما وهو وضع لم يحدث من قبل).
وبالنسبة لروسيا فإنها منهكة عمليا في حرب أوكرانيا، وقد اضطرت لسحب قواتها من سوريا في إطار ترتيبات جديدة لتوجيه علاقاتها في طريق التعاون الاقتصادي، خصوصا في مجالات النفط والغاز والتعدين.
كما أن أوروبا منهكة من حرب أوكرانيا، وعليها أن تعيد اكتشاف صيغة جديدة لتحقيق أمنها الجماعي من داخل حلف الأطلنطي، أو من خلال ترتيبات أوروبية خالصة، قبل أن تفكر في دور دفاعي استراتيجي في الشرق الأوسط. ولذلك فإن السباق على ملء الفراغ الذي ستتركه الولايات المتحدة من المتوقع أن تشتد حدته بين الدول المحورية من داخل الإقليم (تركيا – إيران – إسرائيل – السعودية)، ما يترك تأثيرا عميقا على صورة الهيكل الأمني والدفاعي الإقليمي.
الاستنتاج النهائي من التفاعلات الراهنة يعزز وجهة النظر من حيث استبعاد إقامة نظام شامل للأمن والدفاع المشترك في الأجل القصير، والاستمرار في العمل من خلال أدوات الأنساق الفرعية في الأجل المنظور. ومع زيادة حدة التهديدات وتشابكها عبر الحدود وعبر الأنساق الفرعية من المرجح أن تستمر عملية إعادة تشكيل هيكل الدفاع الإقليمي للشرق الأوسط.
القدس العربي
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
