اخترنا لكمعبي بالخرج

الامتحان الأكبر لمجلس الشعب كتابة عقد اجتماعي جديد

تتجه أنظار غالبية السوريين إلى مجلس الشعب الجديد، ليس فقط للتأكد مما إذا كان سيشهد نقاشات صاخبة كما هو الحال في الدول الديمقراطية، أم سيخيّب آمالهم ويكون نسخة طبق الأصل عن سابقه في النظام القديم حيث لم يتقن الأعضاء فيه إلا كلمة “موافق” والتصفيق. تتجه الأنظار اليوم إلى المجلس لشيء وسبب آخر يتعلقان بالمرحلة المفصلية التي تعيشها البلاد.

اليوم، مجلس الشعب السوري الجديد أمام اختبار تاريخي وكبير. هو أول مجلس بعد انهيار النظام الذي حكم سورية أكثر من نصف قرن، ولذلك ما ينتظره السوريون منه أكبر بكثير من وظيفة التشريع التقليدية.

اقرأ أيضا: مجلس الشعب يكتمل اليوم من دون السويداء

في مثل هذه اللحظات، من المفترض أن تصبح البرلمانات شريكاً في كتابة تاريخ جديد، لا مجرّد مؤسّسة تصادق على النصوص. فسورية اليوم لا تحتاج قوانين إضافية بقدر حاجتها إلى قواعد جديدة للحياة السياسية، وإلى عقد اجتماعي يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين المواطن والدولة. ومن هنا، المهمة الأولى للمجلس أبعد من مناقشة مشاريع القوانين اليومية، إنها المساهمة في رسم ملامح الجمهورية التي يريدها السوريون بعد سنوات الحرب والانقسام.

الامتحان الأكبر لمجلس الشعب

الدستور الجديد هو الامتحان الأكبر، ليس لأنه سيحدّد شكل النظام السياسي فحسب، بل لأنه سيجيب عن أسئلة مؤجلة منذ عقود، كيف تتوزّع السلطات؟ من يراقب من؟ أين تبدأ صلاحيات الرئيس وأين تنتهي؟ وما هي الضمانات التي تحول دون عودة الاستبداد، مهما تغيرت الوجوه والأسماء؟ وبعد الدستور، يأتي قانون الأحزاب باعتباره البوابة التي تسمح بعودة السياسة إلى المجتمع، بعد سنوات طويلة جرى فيها اختزال السياسة في سلطة واحدة ورأي واحد.

اقرأ أيضا: لهذا السبب داعش ينتقد مجلس الشعب السوري

لكن هذه المهمة تصطدم بسؤال لا يمكن تجاهله، وربما هو الذي يرافق المجلس منذ لحظة ولادته، هل يستطيع أن يكون مستقلاً بالفعل؟ فالاستقلال ليس شعاراً دستورياً، وإنما ممارسة يومية تبدأ بحق النائب في الاعتراض قبل الموافقة، وفي تعديل مشاريع القوانين قبل التصويت عليها، وفي مساءلة الحكومة من دون حرج أو تردّد.

هنا تحديداً تظهر المفارقة، فسبعون عضواً من المجلس جاءوا بتعيين مباشر من الرئيس الشرع، فيما اختير بقية الأعضاء عبر هيئات انتخابية أنشأتها السلطة الانتقالية نفسها. وهي صيغة قد تبدو، للوهلة الأولى، بعيدة عن النموذج البرلماني التقليدي، لكنها أيضاً تعكس طبيعة مرحلة لم تستقر مؤسساتها بعد، ولا تزال تبحث عن توازناتها.

وربما يكون من الظلم إصدار الأحكام منذ الآن. فكم من مؤسّسات ولدت في ظروف استثنائية، ثم صنعت لنفسها مساحة من الاستقلال، وكم من مؤسّسات جاءت عبر انتخابات كاملة لكنها بقيت عاجزة عن أداء دورها الحقيقي، فالفيصل، في النهاية، ليس طريقة الوصول إلى المجلس بقدر ما سيكون طريقة العمل داخله.

المرحلة الانتقالية 

لا ينتظر السوريون من النواب خطباً وبيانات. بل أن يشعروا، للمرة الأولى منذ سنوات، بأن هناك مؤسّسة تناقش باسمهم، وتختلف باسمهم، وتراقب السلطة باسمهم. يريدون مجلساً لا يخشى طرح الأسئلة الصعبة، ولا يكتفي بالموافقة السريعة.

المراحل الانتقالية هي التي ترسم غالباً ملامح المستقبل. وما يُكتب فيها يبقى طويلاً، نصاً دستورياً كان أو عرفاً سياسياً أو سلوكاً مؤسسياً. … لهذا، لا يتعلّق الرهان الحقيقي بعدد القوانين التي سيصدرها مجلس الشعب، بل بما إذا كان سينجح في ترسيخ فكرة أن السلطة التشريعية ليست ظلاً للسلطة التنفيذية، وإنما شريك في صناعة القرار ورقيب عليه.

وإذا استطاع أن يثبت هذا، فسيكون قد وضع الحجر الأول في بناء دولة حديثة. وإذا اكتفى بالسير في الطرق المعبّدة سلفاً واكتفى أعضاؤه بهزّ الرأس بالموافقة على كل شيء يأتيهم من “الأعلى” كما كان عهدنا مع مجلس “النظام” السابق، فعندها سيكون مرّة أخرى مجلساً للسلطة لا للشعب، أو ربما مجلساً للخيبة.

العربي الجديد

صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR

Visited 8 times, 8 visit(s) today