اخترنا لكممش عيب

التكنولوجيا المالية.. هل تقود الشركات الناشئة تَحوُّل المصارف؟

لم يعد التحول الرقمي في القطاع المصرفي مقتصراً على إطلاق تطبيقات للدفع الإلكتروني أو نقل الخدمات التقليدية إلى الهواتف الذكية، بل بات يرتبط بقدرة المصارف على تطوير نماذج عمل جديدة، وتحسين تجربة العملاء، وخفض التكاليف التشغيلية، وتوسيع الوصول إلى الخدمات المالية.

وفي سوريا، حيث لا تزال التكنولوجيا المالية في مرحلة البناء والتطوير، تبرز فرص أمام المصارف العامة والخاصة للاستفادة من إمكانات الشركات الناشئة، التي تستطيع تقديم حلول تقنية أكثر مرونة وسرعة، في وقت تحتاج فيه المؤسسات المصرفية إلى تحديث خدماتها ومواكبة التحولات المتسارعة في الصناعة المالية.

ويرى الخبير المصرفي الأستاذ منير هارون، في حديث لـ«العين السورية»، أن القطاع المصرفي السوري يمتلك أرضية تقنية يمكن البناء عليها لتطوير التعاون مع شركات التكنولوجيا المالية، في ظل التوسع التدريجي لخدمات الدفع الإلكتروني، إلى جانب التطبيقات التي أطلقتها المصارف العامة والخاصة.

اقرأ أيضا:ملتقى السفر السوري يختتم أعماله برؤى لتطوير السياحة  وزير السياحة : الملتقى رائع جدا

ويوضح هارون أن العديد من المصارف تمتلك أنظمة مصرفية أساسية تتيح، من حيث المبدأ، ربط خدماتها بحلول خارجية عبر واجهات برمجة التطبيقات، ما يوفر أساساً تقنياً للتعاون مع الشركات الناشئة. لكنه يشير إلى أن توافر البنية التقنية لا يكفي وحده، إذ قد تؤخر متطلبات الامتثال والموافقات التنظيمية، إلى جانب طبيعة الإجراءات المؤسسية، انتقال الحلول الجديدة من مرحلة التصور إلى التطبيق الفعلي.

الشركات الناشئة.. حلول تتجاوز الدفع الإلكتروني

لا تقتصر فرص الشركات الناشئة، وفق هارون، على تطوير تطبيقات الدفع والمحافظ الإلكترونية، بل تمتد إلى مجموعة واسعة من الخدمات التي يمكن أن تعالج مشكلات قائمة في العمل المصرفي وتستجيب لاحتياجات العملاء والمنشآت الصغيرة.

ففي مجال المدفوعات والتمويل الأصغر، يمكن لهذه الشركات تطوير محافظ هاتفية وحلول تدعم التجارة الإلكترونية، فضلاً عن منصات تساعد المشاريع الصغيرة على الوصول إلى التمويل، بما يسهم في توسيع قاعدة المتعاملين مع القطاع المالي.

أما الهوية الرقمية، فتفتح مجالاً آخر للتعاون، من خلال تطوير أدوات للتحقق من هوية العملاء واستكمال إجراءات «اعرف عميلك» (Digital KYC)، بما يمهد لتبسيط فتح الحسابات عن بُعد، شريطة الالتزام بالمتطلبات التنظيمية المعتمدة.

ويشير هارون أيضاً إلى إمكانات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تحليل أنماط الإنفاق وتقديم إرشادات مالية تتناسب مع احتياجات المستخدمين، فضلاً عن رصد العمليات غير الاعتيادية التي قد تشير إلى محاولات احتيال.

ولا يقل تحسين تجربة المستخدم أهمية عن هذه الحلول، إذ يرى الخبير المصرفي أن نجاح التطبيق المصرفي لا يرتبط بعدد الخدمات التي يوفرها بقدر ارتباطه بسهولة استخدامها ووضوح خطواتها، فالتعقيد في تنفيذ المعاملات قد يدفع العملاء إلى العودة للتعاملات التقليدية، حتى مع توافر البدائل الرقمية.

من الفعاليات إلى الاستثمار والتطبيق

وفيما يتعلق بتحويل الأفكار إلى مشروعات قابلة للتطبيق، يلفت هارون إلى أهمية الفعاليات المتخصصة، مثل يوم التكنولوجيا المالية (Fintech Day)، في توفير مساحة للتعارف بين أصحاب الأفكار والشركات الناشئة والمصارف، وعرض الابتكارات وبناء علاقات أولية بين الأطراف المعنية.

لكنه يؤكد أن هذه الفعاليات لا تمثل نقطة النهاية، إذ يحتاج تحويل الأفكار إلى خدمات فعلية إلى منظومة دعم متكاملة، تبدأ بوجود حاضنات ومسرّعات أعمال تمتلك معرفة بطبيعة القطاع المالي، وتساعد الفرق الناشئة في الجوانب القانونية والمالية والتشغيلية، بدلاً من الاكتفاء بتطوير الجانب التقني للفكرة.

اقرأ أيضا: هذه توقعات وزير المالية لاقتصاد سوريا في 2030

ومن الخطوات المهمة في هذا المسار، بحسب هارون، تطوير نموذج أولي قابل للاختبار (MVP)، يسمح بتجربة الحلول على نطاق محدود وقياس جدواها ومدى استجابتها لاحتياجات المستخدمين، قبل الانتقال إلى التوسع أو البحث عن تمويل كبير.

كما تحتاج المشروعات في مراحلها المبكرة إلى مصادر تمويل قادرة على تحمل مخاطر الابتكار، مثل صناديق رأس المال المغامر (Venture Capital)، أو الشراكات الاستثمارية التي تجمع المصارف ورجال الأعمال والشركات الناشئة.

ويبرز هنا دور الإرشاد المهني والتواصل المباشر مع الخبراء المصرفيين، لمساعدة الفرق التقنية على فهم المتطلبات المحاسبية والأمنية والقانونية منذ المراحل الأولى، وتجنب تطوير منتجات قد تواجه لاحقاً عقبات تحول دون اعتمادها مصرفياً.

المصارف.. من شراء الأنظمة إلى الشراكة

ويطرح هارون تصوراً لتطوير طبيعة العلاقة بين المصارف والشركات الناشئة، يقوم على الانتقال من التعامل معها بوصفها مجرد مورد للأنظمة والبرمجيات، إلى اعتبارها شريكاً في ابتكار الخدمات وتطويرها بصورة مستمرة.

ومن الأدوات التي يقترحها في هذا السياق إنشاء مختبرات ابتكار مفتوحة، تتيح اختبار الحلول الجديدة ضمن بيئات تقنية آمنة ومعزولة (Sandbox)، قبل اتخاذ قرار بشأن إطلاقها تجارياً أو توسيع نطاق استخدامها.

كما يرى أن اعتماد نماذج تعاقد أكثر مرونة، مثل مشاركة الإيرادات (Revenue Share)، عندما تتناسب مع طبيعة المشروع، يمكن أن يتيح توزيع تكاليف التطوير والمخاطر والعوائد بين المصرف والشركة الناشئة، بدلاً من الاعتماد حصراً على عقود شراء الأنظمة مرتفعة التكلفة.

ولا يقتصر دور المصارف، وفق هذا التصور، على التمويل والتعاقد، بل يمكن أن يمتد إلى تقديم الدعم القانوني واللوجستي، ومساعدة الشركات الناشئة على فهم متطلبات الترخيص والامتثال، والاستفادة من الخبرات المصرفية المتراكمة لديها.

مصرف سورية المركزي.. تنظيم يواكب الابتكار

ويضع هارون مصرف سورية المركزي في موقع محوري ضمن عملية تطوير قطاع التكنولوجيا المالية، معتبراً أن نجاح التعاون بين المصارف والشركات الناشئة يتطلب بيئة تنظيمية تسمح بالتجربة والابتكار، من دون المساس بسلامة النظام المالي أو حقوق العملاء.

ومن الأدوات التي يدعو إلى دراستها إنشاء بيئة تنظيمية تجريبية، تتيح للشركات اختبار خدمات مالية جديدة على نطاق محدود، وبإشراف الجهات المختصة وضمن ضوابط واضحة، قبل الانتقال إلى الإطلاق التجاري.

كما يشير إلى أن تحديث الأطر الناظمة للدفع الإلكتروني قد يفتح المجال أمام نماذج أعمال جديدة، بما فيها شركات التكنولوجيا المالية غير المصرفية، وفق شروط الترخيص والرقابة التي تحددها الجهات المعنية.

اقرأ أيضا:أهم مهندسي غوغل يغادرون لهذا السبب؟!

وبالتوازي مع ذلك، يشدد على ضرورة وضع معايير واضحة للأمن السيبراني وحماية البيانات والتشفير وحماية المستهلك، خصوصاً أن توسع الخدمات الرقمية يزيد أهمية حماية المعلومات الشخصية والمالية، ويجعل الثقة عاملاً حاسماً في تقبل العملاء لهذه الخدمات.

تحديات البنية التحتية والثقة

ورغم الفرص المتاحة، يحدد هارون مجموعة من التحديات التي لا تزال تؤثر في سرعة التحول نحو التكنولوجيا المالية، في مقدمتها استقرار الإنترنت والكهرباء اللازمين لاستمرارية تشغيل الأنظمة المالية الرقمية، وصعوبة الوصول إلى بعض البرمجيات والتجهيزات المتقدمة في ظل القيود الاقتصادية، إضافة إلى نقص الكوادر التقنية والمصرفية المتخصصة نتيجة هجرة الخبرات.ط

اقرأ أيضا

وعلى مستوى المستخدمين، يشير إلى استمرار تفضيل فئات التعامل النقدي، سواء بسبب العادات المتراكمة أو ضعف الثقة بالخدمات الرقمية، ما يجعل نشر الوعي المالي والرقمي جزءاً أساسياً من عملية التحول، وليس مجرد خطوة مرافقة لها.

ولمعالجة هذه التحديات، يطرح الخبير المصرفي أهمية التنسيق بين مصرف سورية المركزي ووزارة الاتصالات والتقانة والمصارف والجامعات، لربط الاحتياجات الفعلية للقطاع بالخبرات الأكاديمية والحلول التقنية المتاحة.

كما يمكن أن تسهم برامج التوعية المالية والرقمية، وتبسيط إجراءات فتح الحسابات، في توسيع قاعدة المستفيدين، ولا سيما في المناطق الريفية وبين الفئات الأقل ارتباطاً بالخدمات المصرفية.

ويضيف إلى ذلك إمكان دراسة حوافز اقتصادية، بينها إعفاءات ضريبية للأنشطة التي تعتمد الدفع الرقمي، بما يشجع الأفراد والمنشآت على استخدام وسائل الدفع الحديثة ضمن الأطر التشريعية المعتمدة.

وفي المحصلة، يرى هارون أن مستقبل التكنولوجيا المالية في سوريا لا يتوقف على عدد التطبيقات التي ستطلقها المصارف، بل على قدرة القطاع على بناء منظومة تعاون تجمع التمويل والخبرة المصرفية والابتكار التقني والتنظيم الفعال.

فالشركات الناشئة تستطيع تقديم حلول جديدة، لكن تحويلها إلى خدمات يعتمد عليها العملاء يحتاج إلى مصارف مستعدة للشراكة، وبيئة تنظيمية تتيح التجربة، وبنية تحتية تعزز استمرارية الخدمة والثقة بها.

العين السورية
صفحة الفيس بوك :https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR