اخترنا لكممش عيبمواضيع ساخنة

سوريا نهاية 2025.. مرحلة انتقالية ومفاجآت وتحديات بلا حدود

يوميات العام 2025 المنقضي في سوريا حفلت بالأحداث والإجراءات والمواقف، ضمت المرحلة الانتقالية، التي يقودها الرئيس المؤقت أحمد الشرع، وتميزت بوجود حكومة جديدة ودستور مؤقت، تم التصديق عليه في مارس، وانتخابات تشريعية، هي الأولى من نوعها بعد سقوط الأسد جرت في الخامس من أكتوبر الماضي، وأسفرت عن انتخاب 119 عضواً في البرلمان الجديد مع تمثيل ضعيف للنساء والأقليات، وقد تم استبعاد ثلاث محافظات هي السويداء ذات الأغلبية الدرزية، والحسكة والرقة ذاتي الأغلبية الكردية، وذلك لأسباب أمنية وغياب السيطرة المركزية.

مرحلة انتقالية ومفاجآت

سوريا اليوم يحكمها نظام رئاسي انتقالي بقيادة أحمد الشرع، وبعد سقوط نظام الأسد تم تكليف محمد البشير بتشكيل حكومة انتقالية، ثم عُين الشرع رئيسًا للبلاد في يناير 2025، وقامت الحكومة الجديدة بحل الفصائل المسلحة، التي كان أغلبها ضمن قوائم الإرهاب العالمية، وفي لمح البصر تم شطبها منها ودمج العديد من عناصرها في الجيش المشكل حديثًا ويضم بين قياداته مقاتلين أجانب ممن قدموا إلى البلاد ضمن حملات التسفير المعروفة من قارات العالم الخمس.

اقرأ أيضا: «تقرير أولي» للجنة التحقيق في أحداث الساحل السوري

ورغم هذه الخطوات، مازال الوضع الأمني هشًا ومتقلبًا، إذ تستمر التوترات والاشتباكات المتقطعة في بعض المناطق، لا سيما في الشمال الشرقي بين القوات التي يقودها الأكراد (قوات سوريا الديمقراطية) والجيش السوري الجديد وفصائل مدعومة من تركيا.

كما تنشط خلايا تنظيم «داعش» في المناطق الصحراوية والنائية، ومن أبرز عملياتها هذا الشهر استهداف دورية أمريكية سورية مشتركة قرب تدمر ما أدى إلى مقتل ثلاثة أمريكيين، وتبين لاحقاً أن منفذ الهجوم عنصر في الأمن السوري صدر بحقه «تقييم أمني»، بحسب السلطات، قبل أن يعلن الجيش الأمريكي بالتعاون مع دمشق وبمشاركة الأردن تنفيذ حملة قصف تحت اسم «عين الصقر» استهدفت عشرات المواقع للتنظيم الإرهابي دون كشف عن نتائج هذا الانتقام لهجوم تدمر، وهو ما يشير إلى أن هناك تحديات قائمة تطرح أسئلة كثيرة في هذا المجال.

جرح الساحل والسويداء

بين السادس والعاشر من مارس الماضي، استقطبت مناطق الساحل السوري التوتر باندلاع أحداث عنف طائفي دامية في أعقاب مواجهات عسكرية بين من وصفوا ب«فلول من النظام السابق» وقوات الأمن الجديدة، أسفرت عن سقوط مئات القتلى من المدنيين، وقد يكون العدد تجاوز الألف، والعشرات في صفوف قوات الأمن والمسلحين، وشكلت تلك الأحداث نقطة تحول، بعدما لاقت المجازر الطائفية موجة استنكار واسعة عبّرت عنها القوى الدولية، ما دفع السلطات الجديدة إلى تشكيل لجنة تحقيق وتنصيب محكمة لمقاضاة المتهمين بارتكاب انتهاكات خلال أحداث الساحل، وقد عقدت المحكمة جلستين في قصر العدل في حلب بحضور ذوي الضحايا. وفيما سيأخذ المسار القضائي وقته، إلا أن النتيجة السياسية تمثلت في أن تلك الأحداث ألحقت أضرارًا بالغة بمسار الانتقال السوري الذي بدأ بعد سقوط نظام الأسد.

اقرأ أيضا: جنبلاط: الموقف الدرزي غير موحّد .. وكلمة أخطاء لوصف ما حصل في السويداء ضعيفة

ولم تتوقف الانقسامات الطائفية عند الساحل، بل امتدت إلى الجنوب السوري، وتحديداً إلى محافظة السويداء، التي شهدت توترات طائفية بدأت في يوليو الماضي إثر اختطاف تاجر درزي، ليتطور الموقف إلى اشتباكات بين مسلحين دروز وبدو، تخللتها انتهاكات جسيمة وخسائر بشرية واقتصادية كبيرة، وأسفرت عن أزمة سياسية عميقة وتحديات تواجه الحكومة الانتقالية السورية، وكشفت عن هشاشة وصعوبة دمج المكونات السورية بعد سقوط النظام السابق، وتصاعد الخطاب الطائفي.

انتهاك إسرائيلي سافر

وفي الجنوب أيضاً، وفي أعقاب سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، شنت إسرائيل عملية عسكرية (أطلقت عليها اسم «سهم باشان») وتوغلت عدة كيلومترات داخل المنطقة العازلة في جنوب غرب سوريا وسيطرت على مواقع سورية، مدعيةً أن اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974 قد سقطت بزوال النظام السابق. ومنذ ذلك الحين، وبوتيرة شبه يومية، تنفذ قوات الاحتلال الإسرائيلية توغلات في الجنوب السوري، لا سيما في محافظة القنيطرة، تتخللها اعتقالات ونصب حواجز وتدمير غابات، ما أدى إلى تصاعد الغضب الشعبي تجاه تل أبيب.

اقرأ أيضا: مقترح قسد بتشكيل ثلاث فرق عسكرية هل ستقبل به دمشق؟!

وعلى الرغم من أن الحكومة السورية الحالية لا تشكل تهديداً لإسرائيل، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي شن غارات جوية أسفرت عن مقتل مدنيين وتدمير مواقع وآليات وأسلحة وذخائر تابعة للجيش السوري. وتجري دمشق وتل أبيب مفاوضات للتوصل إلى اتفاق أمني، إلا أن سوريا تشترط عودة الأوضاع الميدانية إلى ما كانت عليه قبل 8 ديسمبر/كانون الأول 2024. ورغم ما يروج له من «غضب أمريكي» على إسرائيل، إلا أن الوضع ليس في وارد التغيير في المدى المنظور، إلا إذا قبلت دمشق الجديدة وخضعت لشروط إسرائيل، التي لا تنتهي.

خلافات جوهرية مع «قسد»

أما في الشمال، فتمر العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) بأجواء متوترة وتواجه تحديات كبيرة، على الرغم من توقيع اتفاقية شاملة في مارس/آذار 2025 تهدف إلى دمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية. وبعد أشهر من الشد والجذب انتعش المسار نسبياً مع جهود متعددة المحاور لإحداث تقدم في تنفيذ الاتفاق المتعثر قبل المهلة المحددة بنهاية 2025.

وفي الأيام الأخيرة صدرت أنباء تفيد بأن سلطات دمشق اقترحت على «قسد» دمج ثلاث من فرقها العسكرية في الجيش السوري، لكن مصادر كثيرة قللت من احتمالات التوصل إلى اتفاق شامل في اللحظات الأخيرة. وقال مسؤول غربي، مطلع على الملف، إن أي إعلان في الأيام المقبلة سيكون هدفه جزئياً حفظ ماء الوجه وتمديد المهلة والحفاظ على الاستقرار في دولة لا تزال هشة بعد عام من سقوط الأسد. وسبب ذلك يعود إلى خلافات جوهرية بين دمشق و«قسد» تتمحور حول مسألتين رئيسيتين، الأول مستقبل «قسد»، إذ إن دمشق ترفض أي شكل من أشكال الفيدرالية أو الحكم الذاتي واسع النطاق، وتصر على «سوريا واحدة وجيش واحد وحكومة واحدة»، بينما تطالب «قسد» بضمانات لنظام إداري لا مركزي يسمح لها بإدارة مناطقها محلياً.

اقرأ أيضا: المفاوضات الاسرائيلية السورية مستمرة وتقترب من الإنجاز

والنقطة الثانية تتصل بالسيطرة على الموارد والحدود، فقد نص الاتفاق على دمج السيطرة على حقول النفط والمعابر الحدودية ضمن إدارة الدولة السورية، وهو بند يواجه صعوبات في التنفيذ من قبل «قسد». أما أهم العوامل المتحكمة في هذا الاتفاق، فهو الموقف التركي، صاحب اليد العليا في سوريا الجديدة، ويصنف «قسد» منظمة إرهابية، ومن المفارقة أنها تحظى بدعم أمريكي وعلاقة ودية مع روسيا.

صديق مفاجئ للغرب

بفعل التغيير الجذري للمشهد السياسي، يقول المتحمسون له، إن سوريا خرجت من عزلتها الدولية التي استمرت لخمسين عامًا تقريبًا لتدخل في مرحلة نشاط دبلوماسي مكثف، وزار الرئيس الانتقالي أحمد الشرع عواصم خليجية وروسيا وفرنسا والولايات المتحدة، وتم رفع العقوبات الأحادية من قبل واشنطن ولندن.

كان انقلاب الموقف الأمريكي مع إدارة دونالد ترامب العامل الحاسم، إذ تعبر هذه الإدارة عن ارتياحها، والتقى ترامب الشرع في ثلاث مناسبات، الأولى في الرياض والثانية في نيويورك والثالثة في البيت الأبيض، وتوجت هذه اللقاءات بإلغاء «قانون قيصر»، الذي فرض على نظام الأسد عام 2019، وبدأ ينشأ تحالف بين البلدين تمثل في تعاون متزايد لمكافحة تنظيم «داعش» وملفات أخرى ستتضح تباعاً إذا سارت الأمور كما هو مرسوم لها.

أما أبرز التحولات في الوضع الدولي لسوريا، فكانت مشاركة الشرع لأول مرة كرئيس دولة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في سبتمبر 2025، حيث تحدث عن إعادة بناء سوريا، ما يمثل تحولاً تاريخياً بعد سنوات من مقاطعة سوريا، ويرمز إلى مساعي دمشق للحصول على الاعتراف العالمي ودعم إعادة الإعمار.

مصالح وحسابات مع روسيا

من ناحية أخرى، ظلت العلاقة بين سوريا الجديدة وروسيا، حليف الأسد وموطن منفاه حالياً، فلم تصل إلى التنافر، وتحاول دمشق ألا تقطع «شعرة معاوية» مع موسكو، وتعمل على إعادة تشكيل على أسس من البراغماتية والمصلحة المشتركة.

اقرأ أيضا: الملفات التي سيناقشها الشرع في روسيا

وخلال زيارة الشرع إلى موسكو ولقائه الرئيس فلاديمير بوتين في الكرملين، شددت دمشق على احترام جميع الاتفاقيات الموقعة مسبقاً. وبالنتيجة لم تفقد روسيا نفوذها بشكل كامل بعد سقوط نظام الأسد، بل تسعى للحفاظ على مصالحها الحيوية في سوريا، وأهمها الاحتفاظ بقاعدتيها العسكريتين الرئيسيتين، حميميم الجوية في اللاذقية والقاعدة البحرية في طرطوس، اللتين تعملان كمراكز لوجستية لعملياتها في المنطقة وإفريقيا.
وتظل روسيا عضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي وتتمتع بحق النقض (الفيتو)، وهو ما تدرك دمشق أهميته للحصول على الدعم السياسي في القضايا الدولية، مثلما حدث عند التصويت لصالح رفع عقوبات الأمم المتحدة عن الشرع نفسه.

ثارات قديمة مع إيران

على عكس العلاقة مع روسيا، تتسم العلاقة بين سوريا الجديدة وإيران بالتوتر والبرود الدبلوماسي وتستقطبها ثارات قديمة، وأصبحت اليوم تختلف جذرياً عن التحالف الاستراتيجي الذي كان قائماً في عهد الأسد، ويعود الخلاف إلى أسباب ايديولوجية وجيوسياسة، فأنصار التغيير في سوريا يرون في سقوط الأسد وصعود الشرع فرصة نادرة لإنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، وهو مطلب أمريكي إسرائيلي بالأساس، ومن المتوقع أن تظل المواجهة مفتوحة على المجهول في المستقبل المنظور على الأقل.

أزمة معيشة قاسية ونصف تريليون دولار للإعمار

من أهم التحديات أمام سوريا في الوقت الحالي، ملف إعادة الإعمار الذي تقدر تكلفته بين 300 إلى 500 مليار دولار، وهناك تقديرات تشير إلى أن خسائر الاقتصاد السوري خلال الحرب تبلغ 800 مليار دولار، ما يتطلب جهوداً ضخمة لإعادة الإعمار، فيما تعتبر الأمم المتحدة أن الاقتصاد السوري يحتاج إلى 55 سنة للعودة إلى مستويات ما قبل عام 2010 إذا استمر النمو بالوتيرة الحالية.

ورغم أن المؤشرات الدولية تشير إلى كلفة هائلة، فإن الواقع على الأرض يبدو أكثر بطئاً، محكوماً بظروف اقتصادية قاسية، وغياب الدعم الخارجي الكافي، إلى جانب تحديات محلية في التمويل والعمالة. ورغم الاحتفال بالنصر والوعود الأمريكية والغربية الوردية، فإن سوريا لا تزال ترزح تحت أزمة معيشية خانقة، ويعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر، ويواجه الملايين انعدام الأمن الغذائي. وفي سبتمبر 2025، بلغ الحد الأدنى لتكاليف المعيشة لأسرة مكونة من خمسة أفراد نحو 7.1 مليون ليرة سورية، ما يبرز التضخم الكبير، ويتوقع البنك الدولي نمو الاقتصاد السوري بنسبة متواضعة تبلغ 1% في عام 2025 بعد انكماش في 2024، ومع ذلك هناك تفاؤل بأن يكون النمو أسرع من التقديرات الرسمية في العام المقبل، مدعوماً بتخفيف العقوبات وعودة اللاجئين.

أنقرة.. داعم التغيير والرابح الأكبر

ربما لم تشهد العلاقة بين سوريا وتركيا، منذ سقوط الدولة العثمانية قبل قرن، انسجاماً وتداخلاً بين البلدين، كالذي شهدته بعد سقوط نظام الأسد، الذي لعبت أنقرة الدور الأساسي في إسقاطه بدعم أمريكي واضح. وبفعل التغيير، تحولت أنقرة من داعم رئيسي للمعارضة إلى حليف وثيق للحكومة الانتقالية في دمشق.

اقرأ أيضا: هذه شروط روسيا لإقامة الأسد المخلوع

ووقعت وزارتا الدفاع السورية والتركية اتفاقية تعاون عسكري مشترك في أغسطس 2025 تهدف إلى تعزيز قدرات الجيش السوري. كما تنص الاتفاقية على إمكانية إنشاء قواعد جوية تركية جديدة في وسط سوريا. كما أقام البلدان شراكة استراتيجية لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، يتصدرها العمل على إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بدمجها ضمن بنية الدولة السورية الموحدة، لأن تركيا تعتبر الهيكل الحالي ل«قسد» تهديداً مباشراً لأمنها القومي. من خلال دعم الحكومة السورية الجديدة، تسعى تركيا إلى تعزيز مكانتها كقوة إقليمية مؤثرة في تسوية الأزمة السورية، متفوقة على نفوذ أطراف أخرى مثل إيران.

وفي الجانب الاقتصادي، تطمح الشركات التركية للمشاركة بقوة في مشاريع إعادة الإعمار في سوريا، وتعمل الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين البلدين الصيف الماضي على تسهيل التجارة والاستثمار المشترك، مما يعود بالنفع على الاقتصاد التركي.

الخليج

صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR

Visited 25 times, 1 visit(s) today