المستعجلون لإدخال الاقتصاد الحر لا يعيشون مع الفقراء
خاص-
عندما تستمع إلى بعض رجال الأعمال الذين يعملون على المستوى العالمي ويديرون شركات كبرى، تجدهم يدعون إلى التحول السريع نحو الاقتصاد الحر، وكأن الأمر يمكن أن يحدث بين ليلة وضحاها، مع فتح الأسواق أمام الجميع. أول ما يثير الاستغراب هو هذه النظرة الغربية البعيدة عن الواقع، وثانيًا غياب أي إحساس حقيقي منهم بالشارع السوري. هؤلاء لا يزورون الأسواق الشعبية، ولا يسمعون أصوات الباعة، ولا يعرفون شيئًا عن الفقراء والعائلات المستورة.
يتباهى أحدهم إذا منح طفلًا يمسح زجاج سيارته عند الإشارة ألف ليرة، يأكلون الطعام الصحي ولا يعرفون شيئًا عن الخبز أو المأكولات التي تصل للفقراء. لا يشاهدون الرجل الستيني يفطر بالخبز الحاف، ولا السبعيني الذي يقود “سرفيس”، ولا الثمانيني الذي يبيع الخبز، ولا السيدة التي تحمل أرغفة الخبز لمسافات طويلة لتبيعها. هؤلاء لا يعرفون شيئًا عن الفقراء، وآخر همهم هو الشعب المسكين، فهم يسعون فقط إلى توسيع تجارتهم.
الاقتصاد الحر
من يطالب بالتحول السريع إلى الاقتصاد الحر، وبالعلاج بالصدمة، لا نلومه لأنه لم يعش الفقر، ولا الخوف من الحرب والقذائف، ولا عانى من التفجيرات أو انقطاع المواد الأساسية. تجارتهم تربح في كل لحظة، وفي كل دقيقة يُطرد موظف ويُستبدل بآخر. لا يعرفون من السوق سوى الربح وإبرام الصفقات. واللوم لا يقع عليهم وحدهم، بل على الأساتذة والخبراء والإدارات الصامتة التي تخشى التعبير عن رأيها رغم أنها من المتضررين.
إقرأ أيضا:قرى الفقراء في طرطوس منكوبة بإشراف دولي
أنا لست ضد التحول نحو الاقتصاد الحر، ولكنني ضد أن يزداد الغني غنى والفقير فقرًا. ضد أن نشاهد المزيد من الفقراء بلا حول ولا قوة، وضد أن تنهار المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتخرج من السوق. لا نريد أن نكرر تجربة الحمضيات في سوريا، حيث كنا ننتج ما يكفي لتصدير عدة دول، واليوم نستوردها بسبب سياسات خاطئة أضرت بالفلاحين. لا نريد أن تتكرر هذه الحماقات لطرد الصناعيين والتجار الصغار من السوق.
اقتصاد السوق الحر سيقسم الشارع السوري
التحول إلى اقتصاد السوق الحر سيقسم الشارع السوري اقتصاديًا وصناعيًا إلى ثلاث فئات : فئة ستستفيد وتتوسع، لأنها تعمل خارج سوريا وتلتزم بالمواصفات العالمية. و فئة ثانية قد تنجو إذا حصلت على قروض وطورت أدواتها وفكرها. وفئة ثالثة ستغرق فورًا، هي ومنتجاتها ومعداتها، وكل من يعمل معها.
اقرأ أيضا:محافظة دمشق تحرم الفقراء من قرض الطاقة الشمسية !!
أمام هذا السيناريو، نصف الشعب السوري مهدد بالخسارة، وسيصبح عالة على الفقر والبطالة والتهميش، مما يزيد من الجوع والخوف والمرض، ويعيد إنتاج الفوضى في مجتمع غير مستقر، أمام فئة تسعى للربح وفئة تُترك لتغرق دون أدوات نجاة.
النهوض في سوريا لن يتحقق إلا اقتصاديًا
الحل ليس في ترك نصف المجتمع يغرق، بل في توفير أدوات النجاة له. والسؤال: هل ستتحمل الفئة الرابحة من التحول إلى الاقتصاد الحر مسؤولية تأمين هذه الأدوات؟ هل ستوفر التأمين الصحي للعجزة وكبار السن والمعاقين؟ هل ستساهم في إطعام الفقراء؟ أم ستكتفي بدعم الجمعيات بجزء يسير من منتجاتها مع فقاعة إعلامية كبيرة؟
على الجميع أن يدرك، كما يدرك كل خبير بالشأن السوري، أن النهوض في سوريا لن يتحقق إلا اقتصاديًا، عبر إشغال الجميع بمشاريع تضمن دخلًا يحفظ كرامتهم. سوريا لن تخرج من واقعها الحالي إلا بالتحول العقلاني المدروس، والترشيد، والنهوض الجماعي، لا الفردي ولا لفئة محددة.
A2Zsyria
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
