” بي بي سي” توثّق قصص عن خطف واعتداء نساء من الساحل السوري
كشف تحقيق أجرته هيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” عن شهادات نساء من الساحل السوري تعرّضن للخطف والانتهاكات في مناطق الساحل، عقب سقوط نظام البعث في كانون الأول 2024.
وأكدت بي بي سي أنها غيّرت أسماء الضحايا وعائلاتهن حفاظاً على خصوصيتهن وسلامتهن.
“كانت راميا تجهّز منقوع المتة لتشربه مع أمها وإخوتها بالقرب من منزلها في ريف اللاذقية. أعدت كل ما يلزم للجلوس في نزهة بمنطقة زراعية في قريتها. لم يكن النهار قد انتصف بعد، وكان الجو لطيفاً والمزارعون يعتنون بأراضيهم”، “أمّها وإخوتها كانوا على وشك الوصول لملاقاتها، عندما توقّفت سيارة بيضاء ترجّل منها ثلاثة رجال مسلّحين، ادّعوا أنهم من عناصر الأمن العام. بعد حديث قصير مرتجل اقتادوها إلى السيارة عنوة وأجبروها على الدخول”، بحسب ما تروي.
خطف واعتداء نساء من الساحل السوري
أضافت راميا: “السيارة سارت بعكس اتجاه بيتنا ثم غادرنا القرية، حينها أدركت أنهم اختطفوني”، متابعة: “ضربوني، بدأتُ بالبكاء والصراخ، لكنّهم واصلوا ضربي بقوة أكثر. سألني أحدهم إن كنت سنية أو علوية، عندما أجبت بأنني علوية بدؤوا بشتم الطائفة.”
بعد ساعات عّدة وجدت راميا، التي لم تتجاوز العشرين عاماً، نفسها في منطقة ما في إدلب، بحسب ما سمعت خاطفيها يقولون. كانوا قد أجبروها على ارتداء النقاب. ووضعوها في غرفة تحت الأرض وأقفلوا الباب. كان فيها سرير ووسائد ومستلزمات شخصية وواقٍ ذكري. تروي بصوتها الحزين: “حاولت أن أخفيه، لكنني عرفتُ أن هذا لن ينفع”.
اقرأ أيضا: كيف سيتم تقاسم النفط والغاز في الساحل السوري وأين ذهبت العقود مع روسيا
راميا واحدة من عشرات النساء من الطائفة العلوية اللاتي وردت أنباء عن اختطافهن منذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، وثّقت منظّمات حقوقية متفرّقة حالاتهن وتتفاوت الأرقام بين منظّمة وأخرى.
إذ تقول مجموعة اللوبي النسوي السوري، وهي مجموعة مناصرة لحقوق المرأة، لـ “بي بي سي” إنّها سجّلت بلاغات عن اختفاء أكثر من 80 امرأة، وتحقّقت من 26 حالة منها على أنها اختطاف. الغالبية الساحقة من المفقودات علويات”.
وتنكر الحكومة المؤقتة في سوريا، وجود مثل هذه الظاهرة، مُعترفةً بحالة اختطاف واحدة، وذلك في مؤتمر صحفي بداية شهر تشرين الثاني الماضي. لكن مصدراً أمنياً في إحدى مناطق الساحل، فضّل عدم الكشف عن هويته، أكّد لـ “بي بي سي” وقوع حوادث خطف، مشيراً إلى أنّه “تم فتح تحقيقات بشأنها” و “اتُّخذت إجراءات بفصل” المتورّطين فيها من الخدمة، بينهم عناصر أمن.
تمكنت “بي بي سي” من الوصول إلى خمس من هؤلاء الفتيات المختطفات وعائلاتهن. بعضهن روين للإذاعة تفاصيل اختطافهن وما تعرّضن له من اعتداء، فيما لا يزال مصير أخريات مجهولاً.
الخاطف بملامح آسيوية
وتابعت “بي بي سي” في تحقيقها، “راميا هي إحداهن، بقيت قيد الاختطاف ليومين، حاولت خلالهما الهروب مرة والانتحار مرّتين. لم يكن خاطفها يتحدّث اللغة العربية بطلاقة. تقول إن ملامحه بدت لها آسيوية، تعتقد أنه كان من المقاتلين الإيغور، الذين انضموا للفصائل الإسلامية المسلّحة في سوريا. في مكان احتجازها، تقول إن خاطفها نزع عنها النقاب والتقط صوراً لها، وأكّد أنه سيرسلها “للأمير وهو من يقرر مصيرها.” لكن زوجة المقاتل، التي كانت في البيت ذاته مع أطفاله أخبرتها أن هذه الصورة “ستكون لتحديد ثمنها عند البيع”.
لفتت إلى أنّها سألت زوجة خاطفها عن عدد النساء اللاتي اختطفهن قبلها، فأجابت الزوجة بأنّهن “كثيرات”، وتابعت راميا نقلاً عن زوجة الخاطف أن “بعضهن يُغتصبن ويُرسلن لعائلاتهن وبعضهن الآخر يُبعن”. لم تتمكّن “بي بي سي” من التحقّق بشكل مستقل من وجود حالات “بيع”، لكن أكثر من ناجية قلن إنّهن تلقّين تهديدات مشابهة.
اقرأ أيضا: بين شهادات الدكتوراه وورقة محروقة: من يحاول تشويه صورة الساحل السوري
إحدى العائدات كانت نسمة، أم في عقدها الثالث، عادت إلى عائلتها بعد أن كانت “يائسة تماماً”، كما تقول لـ “بي بي سي”.
تعتقد أنّها كانت في إدلب هي أيضاً، بعد أن اختُطفت من ريف اللاذقية، حسبما تروي بعد عودتها. لكن خاطفيها كانوا سوريين، وليسوا من المقاتلين الأجانب.
ذكرت نسمة أنّها بقيت سبعة أيام في غرفة واسعة ذات نوافذ عالية، في ما بدا لها أنّه منشأة صناعية يتردّد إليها ثلاثة أشخاص يستجوبونها عن سكّان قريتها وعمّا إذا كانت لهم علاقة بالنظام السابق.
وتابعت أنهم “كانوا يوجّهون لي إهانات طائفية، ويقولون إن العلويات خُلقن ليكنّ سبايا”. تعرّضت نسمة للاغتصاب أكثر من مرّة من قبل خاطفيها، بحسب ما روت لـ “بي بي سي|. وتابعت: “كل ما كنت أفكّر به حينها هو الموت. سأموت وسيبقى طفلي بلا أم”.
لين أيضاً، شابة لم تتجاوز العشرين عاماً، تعرّضت للضرب والتهديد بالسلاح والاغتصاب بشكل يومي، بحسب والدتها. الخاطف، الذي لم يرفع اللثام عن وجهه أبداً، لم يكن يتحدّث العربية بطلاقة، “كان مقاتلاً أجنبياً”، تقول حسنة، والدة لين. وتضيف الأم أنّه كان يحضر الطعام لابنتها يومياً، ويمكث لساعات، ويتفاخر بمشاركته في مجازر الساحل السوري، ويشتم العلويين.
وتابعت والدة لين: “كان يصف بناتنا بالجواري قائلاً إنهن لا يعبدن الله”، لكن عندما ناقشته لين بشؤون الدين، قالت الأم إن “نظرته تغيرت”، وبدأ يعاملها بأسلوب ألطف، وفق التحقيق.
“أنماط من الأذى”
يُنظر إلى العلويين عموماً على أنّهم مؤيّدون للرئيس السابق بشار الأسد، الذي ينتمي إلى الطائفة نفسها، رغم أن كثيرين منهم تعرّضوا للقمع والاعتقال بسبب نشاطهم السياسي المعارض. وبعد سقوط حكم الأسد، تصاعدت مخاوفهم من هجمات انتقامية، لا سيما في ظل أعمال العنف الدامية وعمليات القتل الجماعي التي شهدها الساحل في آذار الفائت.
أوضحت نائبة المدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية كريستين بيكرلي لـ “بي بي سي” أن شهادات الناجيات أشارت “إلى أنماط من الأذى تتجاوز الاختطاف نفسه؛ إذ تلقّت العائلات أدلة تشير إلى تعرّضهن للإيذاء الجسدي في بعض الحالات. وفي ثلاث حالات وثّقتها المنظمة كانت هناك مؤشرات قوية على إجبار المختطفات على الزواج، بمن فيهم قاصر واحدة على الأقل”.
وأفادت منظمة العفو الدولية بأن العائلات، في جميع الحالات التي وثقتها المنظّمة تقريباً، قد أبلغت عن عمليات الاختطاف للشرطة أو الأجهزة الأمنية، لكنّها لم تتلقَ أي معلومات جديدة ذات مغزى، ولم تشعر بأي تقدّم ملموس في التحقيقات، متابعة: “لا بد من محاسبة المسؤولين وتقديم التعويضات. إن التقاعس عن ذلك يُعد انتهاكاً لحقوق الإنسان”.
بدورها، أعلنت وزارة الداخلية في الحكومة المؤقتة مطلع تشرين الثاني الماضي، نتائج تحقيق اللجنة التي كانت قد شكّلتها في الصيف للنظر في شكاوى وادعاءات بشأن اختطاف نساء وفتيات في الساحل السوري. وذكرت الوزارة أن 41 ادعاءً من أصل 42 ثبت عدم صحته، وفق ما أوردته وكالة الأنباء السورية (سانا).
“خوف وضغوط”
لين وصلت إلى منزلها في ساعة متأخّرة من الليل بنقاب أسود، تحمل معها قصص أسابيع من الاختطاف، وتهديدات كثيرة؛ إن باحت بأي منها. تروي والدتها أنّها خضعت لسلسلة جلسات للإدلاء بشهادتها عقب رجوعها، شعرت خلالها الأم بـ “اهتمام وتعاطف” من قبل عناصر الأمن لكن لم يتم إبلاغهم بأي نتائج حتى بعد مرور أشهر عدّة.
أما نسمة، التي قالت إن “الشيخ المسؤول عن خاطفيها قرر الإفراج عنها بعد أسبوع من احتجازها” فقد توجّهت بدورها للسلطات الأمنية الذين تعاملوا معها “باستهزاء ووقاحة”، بحسب وصفها.
وتضيف “قالوا إنهم يعرفون الجماعات التخريبية التي اختطفتني، لكن عندما ذهبت لأقفل محضر الشرطة طلبوا مني تغيير أقوالي والادعاء بأني كنت في نزهة”.
نسمة ليست الوحيدة التي طُلب منها تغيير أقوالها عقب اختطافها، بحسب ما علمت “بي بي سي”.
كما حاولت “بي بي سي” التواصل مع امرأة أخرى عادت للتو من الاختطاف بعد تعرّضها للضرب والإهانة، لكنها رفضت التحدّث. لفتت إلى أنّها تخشى الحديث مع الإعلام خاصة بعد أن “طلب منها عناصر الأمن تغيير روايتها” الأمر الذي رفضته، بحسب ما ذكرت قريبة لها.
أما راميا، فذكرت أنها لمست اهتماماً من قبل الشرطة عقب عودتها، لكن بعد تحديد هوية الخاطف توقفوا عن الإجابة عن مكالمات أهلها المتكرّرة لمتابعة التحقيق. تعرّضت العائلة بعدها لجملة تهديدات هاتفية مجهولة المصدر، بحسب ما تروي، قرّرت على إثرها مغادرة البلاد.
بدوره، يروي علي، شاب ثلاثيني اختفت زوجته نور، بينما كانت في طريقها لزيارة عائلية في إحدى قرى الساحل، أنّه على علم بهوية الخاطف، وشارك كل معلوماته مع الأجهزة الأمنية، لكنّه بقي قيد الانتظار. كان علي يبدو أكثر انكساراً وحزناً في كل مرة تواصلت معه “بي بي سي” في إحدى المكالمات، انفجر باكياً وهو يقول: “أنا أتألم ليلاً ونهاراً، أمضي وقتي كله وحيداً في الغابة، أصلي لأجل زوجتي ولأجل عودتها إلينا”. عادت زوجته بالفعل بعد أسابيع عدّة، لكنّهما امتنعا عن إعطاء تفاصيل حول ظروف اختطافها.
سمية ترفض الصمت بشأن ما حدث لابنتها القاصر التي اختطفت من قريتها بينما كانت متجهة للبقالة. قالت لـ “بي بي سي” إن الخاطفين “اعتدوا على صغيرتي جنسياً لعشرة أيام متتالية”، متابعة “كعائلات مختطفات يجب ألا ننكر ما حصل معنا”.
بي بي سي
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
