العدالة الانتقالية في سوريا: جرح متورم ومصاب بالقيح
خاص-
اتجهت أنظار العالم إلى تجربة سوريا في تحقيق العدالة الانتقالية خلال الحرب التي استمرت منذ عام 2011 حتى نهاية 2024. البعض تأثر بمشاعر متدفقة، ومنهم من انتقد الأسلوب القانوني، وآخرون انتقدوا التجربة وبدايتها الخاطئة، بينما قام البعض بتسجيل وتوثيق التجربة السورية في العدالة الانتقالية.
الجميع نسي أنه في سوريا يوجد جرح عميق متورم ومصاب بالقيح، ولا يمكن معالجته بالكريمات التجميلية أو بالتهريج الإعلامي، كما وصفها بعض الحقوقيين.
العدالة الانتقالية في سوريا
إذا أرادت العدالة الانتقالية النجاح، عليها أولاً أن تفتح الجرح وأن تتحمل الألم، وأن تنظف القبح داخل الجرح، ومن ثم تبدأ بالمعالجة.
تشبه العدالة الانتقالية في سوريا جلد الإنسان، وتتكون بشكل رئيسي من ثلاث طبقات أساسية متراكبة: البشرة (الطبقة الخارجية)، الأدمة (الطبقة الوسطى)، وتحت الأدمة أو النسيج تحت الجلد (الطبقة العميقة). تختلف هذه الطبقات في وظائفها وتشريحها لتشكيل أكبر عضو في جسم الإنسان وحمايته. وحتى ننجح في تجربتنا، علينا أن نصل في معالجة الجرح إلى الطبقة العميقة، وأن ننظر إلى الجلد كثلاث طبقات وليس طبقة واحدة، وأن نستفيد من تجارب الدول، وخاصة تجربة جنوب أفريقيا.
اقرأ أيضا:هيئة العدالة الانتقالية السورية فرصة ضائعة لعدالة تُركز على الضحايا
إذا أردنا للعدالة الانتقالية أن تعالج الجرح السوري، علينا أولاً أن نعترف بطبقات الجرح وحجم التورم وأسلوب المعالجة، وأن نتفق على شكل المعالجة كمجتمع سوري. أما إذا كان هدفنا تعميق الجرح، فيمكننا الرقص على جرح الشعب والتطبيل والتزمير لإنجازات لا تقدم ولا تؤخر في معالجة الجرح، بل تزيد الانقسام والفرز والتفرقة.
ومن أبرز تجارب الدول في العدالة الانتقالية:
• جنوب أفريقيا: تُعد من أبرز التجارب، حيث اعتمدت “لجنة الحقيقة والمصالحة” بعد انتهاء نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد) للكشف عن الحقائق والمصالحة بدلاً من المحاكمات التقليدية.
• رواندا: اتخذت مساراً مختلفاً عقب الإبادة الجماعية في تسعينيات القرن الماضي، حيث ركزت على المحاكمات الجماعية للمسؤولين عن مقتل قرابة مليون مواطن، إلى جانب محاكم “غاشاشا” المجتمعية.
• الأرجنتين: ركزت على الملاحقات القضائية ضد قادة المجلس العسكري السابق لضمان المحاسبة بعد عودة الديمقراطية.
• المغرب: أنشأت “هيئة الإنصاف والمصالحة” لمعالجة انتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت في الماضي (سنوات الرصاص) والتعويض عن الضحايا.
• يوغوسلافيا السابقة: تم تفعيل آليات عدالة دولية (المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة) للمحاسبة على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
• سيراليون وتيمور الشرقية: استخدمت نماذج مزيج بين لجان الحقيقة والمحاكم المختلطة لمعالجة آثار النزاعات الأهلية.
تشمل القائمة أيضاً دولاً أخرى مثل كمبوديا، أفغانستان، نيبال، إثيوبيا، السودان، جمهورية أفريقيا الوسطى، أوكرانيا، وأرمينيا.
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress
