اخترنا لكمعرب وغرب

زلزال استثماري بقيمة 48 اتفاقاً.. واشنطن تفتح خزائن بغداد

شهدت العلاقات العراقية الأمريكية منعطفاً تاريخياً حاسماً عقب الزيارة الخارجية الأولى لرئيس مجلس الوزراء، علي الزيدي، إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأمريكي دونالد ترمب في البيت الأبيض.

هذا اللقاء لم يكن مجرد بروتوكول سياسي، بل شكّل إعلاناً رسمياً لولادة معادلة ستراتيجية جديدة تلخصت في الاستبدال التدريجي للوجود العسكري بالثقل الاستثماري والاقتصادي. 

وجاءت رعاية الزيدي لتوقيع 48 اتفاقاً ومذكرة تفاهم وتعاون وإعلان شراكة بين القطاعات العامة والخاصة في كلا البلدين، لتضع اللبنة الأولى لمسار ينقل العلاقة من غطائها الأمني والسياسي التقليدي الذي هيمن على العقدين الماضيين، إلى شراكة أوسع ترتكز على مجالات الطاقة، والمال، والتكنولوجيا، والزراعة.

وتكشف الجغرافيا السياسية والاقتصادية لهذه الاتفاقيات عن رغبة حقيقية من جانب واشنطن للدخول إلى السوق العراقية بمستويات “غير مسبوقة” عبر كبريات شركات النفط والطاقة مثل “إكسون موبيل”، “شيل”، “هاليبرتون”، “كي بي آر”، و”جي إي فيرنوفا”. 

واشنطن تفتح خزائن بغداد

هذا التوجه لا تقتصر أبعاده على تطوير الحقول القائمة، بل يمتد إلى مشاريع ستراتيجية بالغة الأهمية كإعادة مد خطوط الأنابيب النفطية الناقلة إلى ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط، مما يمنح العراق منافذ تصديرية جديدة ومرونة جيوسياسية أعلى. 

كما لم تغفل هذه الحزمة جوانب التنمية المستدامة، حيث دخلت شركات مثل “بيبسيكو” و”فريتو لاي” على خط تطوير القطاع الزراعي، إلى جانب إبرام اتفاقيات نوعية في مجالات التعليم، وتوريد وصنع الأدوية بالتعاون مع القطاع الخاص العراقي، ودخول خدمة الإنترنت الفضائي عبر شركة “ستارلنك” بالاتفاق مع هيئة الإعلام والاتصالات.

ومن المنظور التحليلي والاقتصادي، يرى المستشار المالي والاقتصادي لرئيس مجلس الوزراء، مظهر محمد صالح، أن هذا التحول التدريجي يعكس وجود إرادة سياسية متبادلة لإعادة تعريف العلاقة على أساس المصالح المشتركة. 

ويبين صالح لـ”الاقتصاد نيوز” أن هذا التوجه ينسجم تماماً مع خطط الحكومة العراقية الرامية لتنويع مصادر الدخل القومي، وجذب الرساميل الأجنبية، ومحاولة الفكاك من التبعية المطلقة للاقتصاد الريعي القائم على الإيرادات النفطية. 

شركات تكنولوجية رائدة مثل “كيزلايت” و”PPTA”

ويسلط المستشار الضوء على التعاون مع شركات تكنولوجية رائدة مثل “كيزلايت” و”PPTA”، معتبراً إياه ركيزة أساسية لتحديث البنية التحتية الرقمية للقطاع المالي والمصرفي؛ إذ إن إدخال التقنيات الحديثة في أنظمة الدفع الإلكتروني، وتعزيز الأمن السيبراني، يساهمان بشكل مباشر في رفع كفاءة الشفافية، وتقليل الاعتماد على النقد، واستعادة ثقة المستثمر الأجنبي بالمنظومة الاقتصادية العراقية.

ومع ذلك، فإن قراءة الجدوى الاقتصادية لهذه الحزمة الضخمة تفرض مواجهة التحديات الهيكلية على أرض الواقع.

وكما يؤكد الدكتور مظهر محمد صالح، فإن أهمية هذه الاتفاقيات لا تُقاس بعددها أو بحجم الحبر الذي كُتبت به، بل بقدرة الطرفين على تحويلها إلى مشاريع حقيقية ذات أثر تنموي ملموس. 

وهنا يبرز التحدي الأبرز المتمثل في “جاهزية البيئة الاستثمارية داخل العراق”. فرغم حزمة الإصلاحات والتشريعات الحكومية المتواصلة لتحسين مناخ العمل، لا يزال المستثمر الأجنبي يترقب معالجة جذرية لملفات البيروقراطية الإدارية، وضمان استقرار البيئة القانونية، وتسريع آليات حسم النزاعات التجارية، فضلاً عن الحاجة المستمرة للارتقاء بالبنية التحتية والخدمات الأساسية.

في المحصلة، يمثل الانتقال بالعلاقات العراقية–الأمريكية نحو “الدبلوماسية الاقتصادية” فرصة ستراتيجية وتاريخية ثمينة لبناء عراق مستقر اقتصادياً. 

وذكر صالح أن نجاح هذه الفرصة وتحويل مذكرات التفاهم الـ 48 إلى واقع ملموس سيبقى مرهوناً بمدى جدية وبراعة مؤسسات الدولة في استكمال الإصلاحات المؤسسية، وتحسين بيئة الأعمال، وتذليل العقبات أمام الشركات العالمية؛ فالمحك الحقيقي في المرحلة المقبلة لن يكون في توقيع العقود، بل في حجم المشاريع الاستثمارية والتنموية الشاخصة التي ستتحقق على أرض الواقع. 

صفحة الفيس بوك : http://: https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR

Visited 20 times, 1 visit(s) today