سوريا تشد الحزام المالي
تتجه سوريا نحو تشديد إدارة الإنفاق العام وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية، في مسعى لحماية توازن الموازنة من ضغوط ارتفاع كلفة الطاقة والنقل والاحتياجات الأساسية، بعدما سجلت المالية العامة عجزاً بنحو مليار دولار خلال النصف الأول من العام الجاري، بالتزامن مع تسارع برامج الإنفاق الحكومي.
ووجّهت رئاسة الجمهورية، اليوم الاثنين، الوزارات والجهات العامة، بناء على مقترح من وزارة المالية، بخفض النفقات غير الضرورية ومراجعة المشاريع الاستثمارية وفق ضرورتها وجدواها ونسب إنجازها. واستثنت التوجيهات الرواتب والأجور والإنفاق الضروري على الصحة والتعليم والمياه والطاقة والأمن والسلامة العامة، إضافة إلى أعمال الصيانة التشغيلية والوقائية الضرورية.
حماية الخدمات الأساسية
تضع الإجراءات المصروفات الإدارية القابلة للتأجيل والإنفاق الرأسمالي الأقل أولوية في مقدمة البنود المرشحة للمراجعة، بينما تحاول الحكومة حماية الخدمات الأساسية في اقتصاد يحتاج في الوقت نفسه، إلى موارد ضخمة لإصلاح بنيته التحتية وتمويل التعافي.
تستجيب الإجراءات لـ”المتغيرات الجيوسياسية والإقليمية الراهنة وما يرافقها من ضغوط على كلف الطاقة والنقل وتأمين الاحتياجات الأساسية”، بحسب وزارة المالية مؤكدة أن ترشيد الإنفاق “لا يعني خفض الإنفاق بصورة عشوائية أو المساس بالخدمات الأساسية للمواطنين”.
ولا يقتصر الهدف على تقليص المصروفات، وإنما يشمل رفع كفاءة استخدام الموارد وتوجيهها نحو البنود الأكثر ضرورة، مع مراجعة المشاريع الاستثمارية وفق جاهزيتها وأثرها المالي والاقتصادي والاجتماعي، ومدى إمكانية تأجيلها من دون تأثير جوهري على الخدمات أو النشاط الاقتصادي.
عجز بمليار دولار في النصف الأول
سجلت المالية العامة عجزاً بنحو مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، بعدما بلغت الإيرادات 2.7 مليار دولار، مقابل إنفاق قدره 3.7 مليار دولار.
ولا يمثل ذلك تقديراً نهائياً لعجز العام بأكمله، إذ تتوقع الحكومة تحسن الموارد خلال النصف الثاني بدعم من زيادة إيرادات النفط والغاز والتحصيل الضريبي والجمركي وبعض الإيرادات الاستثنائية.
لكن المصروفات تواجه ضغوطاً مع ظهور الأثر الكامل لزيادات الرواتب وتسارع تنفيذ المشاريع والإنفاق الاستثماري، خصوصاً في المناطق المتضررة. وتفسر هذه المعادلة تركيز الحكومة على ضبط وتيرة الإنفاق حتى مع توقع زيادة الإيرادات، ولا سيما مع ارتفاع تكلفة الاحتياجات الأساسية بفعل الاضطرابات الإقليمية.
توسع في “موازنة المواطن”
بنيت موازنة العام الجاري على توسع كبير في الإنفاق مقارنة بالعام السابق. وتظهر “موازنة المواطن” الصادرة عن وزارة المالية نفقات مقدرة بنحو 10.5 مليار دولار، مقابل إيرادات متوقعة عند 8.7 مليار دولار، ما يترك عجزاً يعادل 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي المفترض في الموازنة عند 33.7 مليار دولار.
ويتوزع الإنفاق بواقع 60% للنفقات الجارية، و27% للنفقات الاستثمارية، و13% للدعم والضمان الاجتماعي. أما الإيرادات، فيفترض أن يأتي نصفها من الضرائب والرسوم والجمارك، و28% من النفط والغاز، و22% من مصادر أخرى.
قطاعياً، توجه نحو 41% من النفقات إلى الأنشطة الصحية والتعليمية والحماية الاجتماعية، ونحو الثلث إلى الدفاع والأمن الوطني، فيما تستحوذ أنشطة الخدمات العامة على أكثر من الربع.
هذه التركيبة، إلى جانب استثناء الرواتب والخدمات الأساسية وعدد من بنود التشغيل الضرورية من إجراءات الترشيد، تضيق مساحة الخفض الفوري. لذلك، يرجح أن يتركز الضبط على النفقات الإدارية غير الأساسية والمشتريات القابلة للتأجيل والمشاريع الاستثمارية التي لم تبلغ مراحل متقدمة أو التي يمكن إرجاؤها بأقل أثر اقتصادي وخدمي.
المشاريع الاستثمارية أمام اختبار الأولوية
يشكل الإنفاق الاستثماري أحد أبرز تحولات موازنة العام الجاري، بعدما رفعت حصته إلى 27%، بما يشمل مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية وتنمية المناطق المتضررة.
وكان الرئيس أحمد الشرع أعلن في مارس توجهاً لتخصيص ما لا يقل عن 3 مليارات دولار من الإنفاق الحكومي لصندوق يدعم إعادة تأهيل البنى التحتية، مع التركيز على القرى والبلدات المتضررة وتحسين الخدمات في المناطق الشرقية.
اقرأ أيضا: السادة الفقراء المحترمون!!
ولا يعني التوجيه الجديد تلقائياً خفض هذا المبلغ أو وقف برنامج محدد. فالأمانة العامة لرئاسة الجمهورية لم تسم مشاريع بعينها للإلغاء أو التأجيل، وإنما وضعت معايير للمفاضلة تشمل الضرورة ونسبة الإنجاز والالتزامات القائمة والعائد الاقتصادي والمالي والأثر الخدمي.
وبذلك، يفترض أن تحافظ مشاريع الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والبنى التحتية الحيوية والصيانة الضرورية على أولوية أعلى، بينما تصبح المشاريع الأقل إلحاحاً أو جاهزية أو ذات العائد المحدود أكثر عرضة لإعادة الجدولة.
كما أن مراجعة الإنفاق الحكومي لا تعني بالضرورة تأثر الاستثمارات التي يمولها القطاع الخاص أو المستثمرون الأجانب من خارج الموازنة. ومن بين الاستثمارات التي أُعلن عنها مؤخراً مشروع “دمشق الجديدة”، بقيمة تقدر بنحو 7 مليارات دولار.
صندوق النقد: الموارد قد تقيد الإنفاق الرأسمالي
يتسق التحرك مع قراءة صندوق النقد الدولي للمالية العامة السورية. ففي أغسطس، توقع الصندوق ارتفاع الإيرادات بصورة كبيرة خلال العام الجاري، بدعم من الضرائب والجمارك والنفط والغاز، إضافة إلى إيرادات استثنائية تشمل تراخيص الاتصالات ورسوم عبور الوقود.
لكنه أشار إلى أن قيود الموارد قد تستدعي احتواء الإنفاق الرأسمالي، داعياً إلى مواصلة ترتيب أولويات المصروفات وتحسين تعبئة الإيرادات لتوفير حيز أكبر للإنفاق التنموي وشبكات الحماية الاجتماعية.
وكان الصندوق قد قال في فبراير إن موازنة 2026 صممت لزيادة الإنفاق بصورة ملموسة على الصحة والتعليم والأجور وإعادة تأهيل البنية التحتية الأساسية، لكنها تضمنت إجراءات وقائية في حال جاءت الإيرادات أو مصادر التمويل دون التوقعات.
اقرأ أيضا: طباعة العملة والتضخم الصامت في سوريا
وازدادت أهمية هذه التحوطات بعد التطورات الإقليمية التي رفعت أسعار بعض الواردات، خصوصاً الوقود والغذاء، ودفعت التضخم إلى التسارع خلال 2026، بحسب الصندوق.
موازنة 2027 أمام معادلة أصعب
تأتي إجراءات الترشيد بينما تضع دمشق اللمسات على مشروع موازنة 2027. وحتى 28 سبتمبر، لم يعلن رقم نهائي معتمد لحجم الموازنة أو عجزها، بعدما بدأت وزارة المالية إعداد المشروع في يونيو، ودخلت مناقشاته مع مجلس الشعب خلال سبتمبر.
وتفترض الوزارة ارتفاع إيرادات العام المقبل نتيجة النمو الاقتصادي وتحسن الامتثال الضريبي، حتى مع استبعاد الإيرادات الاستثنائية من تراخيص الاتصالات والزيادات المؤقتة في الإيرادات النفطية.
للمزيد: وزير الاتصالات: سوريا تحتاج إلى نحو 5 مليارات دولار لتطوير البنية التحتية الرقمية
أوصى صندوق النقد بأن تُبنى موازنة 2027 على افتراضات متحفظة للإيرادات والتمويل، بالتوازي مع احتواء المصروفات الجارية، وهي توصية تكتسب أهمية إضافية بعد إجراءات ترشيد الإنفاق الأخيرة.
في المقابل، أشارت وزارة المالية سابقاً إلى أن الإنفاق العام المقبل مرشح للزيادة لتمويل المشاريع التنموية وإعادة الإعمار وبرامج مكافحة الفقر، ما يجعل التحدي الأساسي متمثلاً في تحديد المشاريع التي تستحق أولوية الحصول على الموارد المحدودة.
216 مليار دولار لإعادة الإعمار
تتضح صعوبة المعادلة عند مقارنة حجم الموازنة باحتياجات سوريا طويلة الأجل. فالبنك الدولي يقدر الكلفة اللازمة لإعادة بناء الأصول المادية المتضررة خلال سنوات الصراع بنحو 216 مليار دولار في أفضل تقدير متحفظ، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار.
ويتوزع التقدير الأساسي بواقع نحو 82 مليار دولار للبنية التحتية، و75 ملياراً للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية، بينما تبلغ الأضرار المادية المباشرة التي أحصاها البنك نحو 108 مليارات دولار.
ولا يشمل تقدير الـ216 مليار دولار الخسائر الاقتصادية الناتجة عن تعطل الأعمال وتراجع الإنتاجية، كما لا يغطي كامل تكلفة استعادة الخدمات، ما يعني أن الاحتياجات الفعلية للتعافي تتجاوز فاتورة إعادة بناء الأصول وحدها.
المزيد هنا: البنك الدولي: 216 مليار دولار تكلفة إعادة إعمار سوريا
اتساع فجوة التمويل
في قطاع الاتصالات والبنية الرقمية وحده، تقدر الحكومة احتياجات الاستثمار بما لا يقل عن 5 مليارات دولار، ما يعكس اتساع فجوة التمويل حتى في القطاعات التي تجذب رؤوس أموال خاصة وخليجية.
وتكشف المقارنة بين إنفاق سنوي مخطط عند نحو 10.5 مليارات دولار وفاتورة إعادة إعمار تتجاوز 200 مليار دولار جوهر التحدي المالي؛ فالخزانة العامة لا تستطيع تمويل جميع احتياجات التعافي في وقت واحد، ما يجعل ترتيب الأولويات وجذب التمويل الخاص والخارجي جزءاً أساسياً من معادلة إعادة الإعمار.
لذلك، تبدو إجراءات ترشيد الإنفاق أقرب إلى إعادة توزيع للموارد المحدودة منها إلى تقشف شامل. فالحكومة تحاول حماية الرواتب والخدمات الأساسية، مقابل إخضاع المشاريع الأقل ضرورة لاختبار أكثر صرامة للجدوى والجاهزية والأثر الاقتصادي.
ويبقى الاختبار خلال الأشهر المقبلة في حجم الوفر الذي تستطيع وزارة المالية تحقيقه من دون إبطاء إعادة تأهيل البنية التحتية أو النشاط الاقتصادي، وكيف ستنعكس إعادة ترتيب الأولويات على موازنة 2027، التي ستُظهر بصورة أوضح قدرة الخزانة السورية على الموازنة بين الانضباط المالي وفاتورة التعافي التي تتجاوز 200 مليار دولار.
الشرق
صفحة الفيس بوك: https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
