كيف تصرف وزير الإعلام مع صحفي تعرض للتهديد بالشيخ في دمشق
ما تزال تصرفات بعض عناصر الأمن العام في سوريا تعكس ذهنية ما قبل الدولة، حيث تطفو على السطح بين حين وآخر حوادث تُصنّف كـ “تصرفات فردية”، لكنها تتكرر بما يكفي لتكون نهجًا.
إحدى هذه التصرفات، وقعت يوم أمس حيث، تعرض الصحفي أمجد الساري، لاستجواب مطوّل وصفه بـ “المهين”، أمام السفارة الإيرانية في حي المزة بالعاصمة دمشق، من قبل عناصر يتبعون لجهاز الأمن العام، وذلك لمجرد التقاطه صورة لمبنى السفارة من الشارع العام.
اقرأ أيضا:
وقال الساري، في منشور كتبه على حسابه الشخصي، في “فيسبوك” إنّه ولأول مرة منذ ما أسماه “التحرير”، يشعر بإحباط عميق وبتلاشي الأمل في بلده، مضيفًا: “هذه أول مرة أكتب فيها عن موقف شخصي يؤلمني، لأن التهم التي وُجهت إليّ كانت صادمة وغير مبررة”.
بدأت الحادثة، وفق رواية الساري، أثناء عودته من معرض فني في المركز الثقافي بالمزة، حيث مرّ بجانب السفارة الإيرانية والتقط صورة لواجهتها بهاتفه المحمول.
ويتابع الساري أنه بعد لحظات، أوقفه أحد عناصر الأمن وسأله عمّا إذا كان قد صوّر المبنى. وعندما أجاب نعم، طالبه العنصر بتسليم هاتفه لتفتيشه، وهو ما رفضه الساري، متسائلًا عن السند القانوني لهذا الطلب.
ردّ العنصر عليه بسخرية: “إيش مفكر حالك بلاس فيغاس؟”، فردّ الساري: “ليش شو الفرق؟ ما بصير يكون عنا قانون؟”
تصاعد الموقف بسرعة، وطلب العنصر من الساري حذف صورة السفارة الإيرانية مدعيًا أن “التصوير ممنوع”، رغم عدم وجود أي لافتة تدل على ذلك. وبعد إصرار الصحفي على موقفه، توعده العنصر بإحضار “الشيخ”.
التهديد بـ “الشيخ”
ويتابع الساري، قال لي العنصرالذي كان يقف أمام السفارة الإيرانية: “أنت شكلك رح تتعبنا، خليني أجيب الشيخ يتفاهم معك!”، أجبته بكل بهدوء: “تفضل، أنا موجود.. نادي الشيخ”.
اقرأ أيضا: وزير الإعلام السابق في جمهورية موزمبيق يطلب من طلابه تقييمه
نظر لي ثم قال: “أنتو ما كنتو تجرؤوا تحكوا عن النظام ولا عن إيران، وهلق بدكن تعملوا مراجل؟!”
تمالكت أعصابي، وانتظرت حضور “الشيخ”، ولم تمضِ دقائق حتى وصل عنصران على دراجة نارية، سأل أحدهما بصوت مرتفع: “وينه اللي صوّر؟” أشرت إلى نفسي وقلت: “أنا.. تفضل”.
عميل للموساد!
ثم اقترب مني وعرّف نفسه بأنه مسؤول الأمن الدبلوماسي، ثم طلب هويتي، قدّمت له بطاقتي الصحفية دون تردد. فقال لي ياريت تتعاون معنا مشان نقدر نساعدك! قلتله عفواً ليش أنا متهم لحتى تساعدني! كلها صورة!”.
لكن المفاجأة جاءت حين اتهمه العنصر الآخر بأنه “قد يكون عميلاً للموساد الإسرائيلي”. تهمة وصفها الساري بأنها عبثية ومهينة، قائلاً إن أحد العناصر قال له حرفيًا: “أنا بنظري كل الناس مجرمين حتى يثبت العكس”.
ورغم حذف الساري للصورة نزولًا عند طلب المسؤول الأمني، استمر الاستجواب، وتوالت الطلبات للحصول على معلوماته الشخصية وتصوير بطاقته الصحفية، وهو ما رفضه مجددًا.
فردّ عليه العنصر قائلاً: “يا حبيبي اسمع مني وتعاون معنا بلا ما يجي “الشيخ” وساعتها ما بتعرف شو بصير فيك، فيرد الساري: “أوف! شو ممكن يصير يعني، رح يقتلني تحت التعذيب؟ تفضل ناديله خليه يجي”.
في خضم التوتر، أخبره أحد العناصر: “نصيحة خليك بأوروبا تبعك ولا تجي لهون!”، وهو ما أثار غضب الصحفي، فردّ: “هذه بلدي، ومو أنت يلي بتقرر إذا بدي ضل أو أروح!”.
ويتابع الساري “رد العنصر الآخر: لا تعمل حالك أبو زيد الهلالي هون أنا معي أوامر إني كسرلك الكاميرا، فقلت له تفضل هذه الكاميرا اكسرها”.
فرد المسؤول الأمني “نحن متعاونين معك ولهلأ ما جبنا “الشيخ” وإذا إجا مو نصيحة (تهديد جديد بالشيخ) يلي ما عرفت لا اسمه ولا شو بيشتغل”.
ويؤكد الساري أن المسؤول أصر على أخذ معلوماتي الكاملة، وحاول تصوير بطاقتي الصحفية ورفضت، وقلت له إن أسلوبكم ليس لا يشبه أسلوب عناصر أمن، وأنا سأتقدم بشكوى، فطلبت منهم أسماءهم لكن دون جدوى، رفضوا أن يعرفوا بأنفسهم”
ثم يطرح الساري تساؤلات في منشوره قائلا: “هل هذا منطق دولة؟ هل هذا نموذج سنغافورة الذي وعدونا به، هل يعقل أن أُهان في بلدي وأُتهم بأنني عميل للموساد الإسرائيلي.
ثم يتساءل الساري عن هؤلاء العناصر، هل يعقل أن يوضع أناس جهلاء في أماكن حساسة فيها تماس مباشر مع المدنيين، وهل فعلاً تم تدريبهم على أن “جميع الناس مجرمين حتى يثبتوا العكس” (كررها العنصر مرتين). هل يعقل أن يُقال لي: “نصيحة خليك بأوروبا تبعك ولا تجي على البلد!”.
أختتم الساري منشوره بالقول “مررت سابقاً بتجارب مشابهة لكني لم أذكرها لأنني كنت أسامح وأجد لهم التبريرات، لكن اليوم تم التعدي عليّ بغير وجه حق، وتم إهانتي بتهم مخجلة، سأقوم بالشكوى على العناصر ورغم أنهم رفضوا التعريف بأنفسهم لكن سأسلك الطرق القانونية رغم كل ذلك”.
قصة الساري أخذت صدى واسعاً بين أوساط الصحفيين والناشطين السوريين، ما جعل وزير الإعلام حمزة مصطفى يعتذر للساري في تعليق على المنشور، حيث قال “تحياتي أمجد.. أتمنى أن تكون بخير.. نأسف لما جرى وأدعوك لزيارتنا في وزارة الإعلام السورية، لتقديم شكوى لمتابعتها.
حادثة الصحفي أمجد الساري ليست الوحيدة في سوريا، فعلى الرغم من أن هذه الممارسات كانت موجودة وأكثر رعباً على عهد نظام الأسد، إلا أن الحكومة الجديدة بدمشق توعدت برفع سقف الحريات، وصون كرامة الفرد، لكن الواقع على الأرض أحيانا يعكس استمرار سلوكيات أمنية تعود إلى حقبة انتهت، غالبا ما تسجل تحت “تصرفات فردية”.
في حين يرى مراقبون أن تكرار “التصرفات الفردية” قد يصبح شيئاً عاديا في ظل غياب المحاسبة، واستمرار ذهنية “المواطن متهم حتى يثبت العكس”.
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress
