هكذا اختفى رموز الأسد
كشف تحقيق لصحيفة «نيويورك تايمز» كواليس الساعة الأخيرة في نظام بشار الأسد، وكيف اختفى رموز حكومته في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024 تحت جنح الظلام، وذلك بعد 13 عاماً من القتال، انتهت بتقدم عسكري خاطف للفصائل المسلحة نحو دمشق.
وأوضحت الصحيفة، أنه بينما كانت أنظار العالم ليلة الهروب تتجه نحو طائرة بشار الأسد التي أقلّته خارج البلاد، منهياً حكماً دام أكثر من نصف قرن في سوريا، هرع كبار المسؤولين في حكومته للبحث عن ملاذ، والنجاة بأنفسهم بالاختفاء عن الأنظار.
ولم يجد رموز النظام السوري السابق مفراً من الاختفاء، بعد خروج الأسد المفاجئ من دمشق في تلك الليلة ليتبخر النظام في ساعات معدودة، فبعضهم استقل الطائرات، وآخرون توجهوا إلى فللهم الساحلية، وغادروا على متن زوارق سريعة فاخرة. وآخرون فروا في مواكب سيارات باهظة، بينما كان المقاتلون على الحواجز يلوّحون لهم بالمرور دون معرفة من هم. ولم يجد بعضهم ملاذاً غير اللجوء إلى السفارة الروسية، التي ساعدت على تسهيل مغادرتهم إلى موسكو.
ليلة الهروب
وبحسب الصحيفة، فإن موجة الهروب الكبرى بدأت ليلة 7 ديسمبر/كانون الأول الماضي، بعد أن أدرك كبار معاوني الأسد أنه غادر القصر الرئاسي دون إشعارهم. وعلموا لاحقاً أن الروس نقلوه مع ابنه، ومستشاريه إلى قاعدة حميميم الروسية على الساحل السوري، ومن هناك إلى موسكو.
وعندما انتشرت الأخبار، عمّت الفوضى بين القادة الأمنيين الذين سارعوا لحزم أمتعتهم والفرار. وقال أحد كبار مساعدي الأسد لعائلته عبر الهاتف: «لقد رحل». ثم أمرهم بالتوجه إلى وزارة الدفاع، حيث التقى آخرين، ونظموا رحلة طيران سرية إلى حميميم بطائرة صغيرة.
أبرز المسؤولين الفارين
وبعد منتصف ليل الثامن من ديسمبر/كانون الأول الماضي، تجمع عشرات الأشخاص في الظلام خارج القسم العسكري من مطار دمشق الدولي. حملوا ما استطاعوا حمله، وازدحموا في طائرة صغيرة تابعة للخطوط الجوية السورية.
وروى أحد الركاب، إلى جانب مسؤولين سابقين، تفاصيل الهروب المثير، ومن بين الركاب كان قحطان خليل، مدير استخبارات سلاح الجو السوري. ورافقه علي عباس وعلي أيوب، وهما وزيران سابقان للدفاع خضعا لعقوبات بسبب جرائم ارتكبت أثناء الصراع. كما كان بينهم رئيس الأركان عبد الكريم إبراهيم.
هروب ماهر الأسد
في الوقت نفسه، كان ماهر الأسد الذي كان يعد ثاني أهم رجل في النظام، ينظم فراره مع أصدقائه ورجال أعماله المقربين. استقلوا سيارات باتجاه المطار للالتحاق بطائرة أخرى.
وفي قاعدة حميميم، وصف شهود مشهداً فوضوياً: مسؤولون يجرّون أكياساً مملوءة بالنقود والذهب، وبزّات عسكرية مرمية على الأرض، بينما الروس يشرفون على نقلهم إلى موسكو.
سرقة الخزائن والهرب
وفي دمشق، بقي آلاف من عناصر المخابرات العامة داخل مقرهم لا يعلمون أن قيادتهم فرت، وكان مديرهم حسام لوقا آخر من غادر، بعد أن أمر بفتح خزنة المقر، وأخذ منها نحو 1.36 مليون دولار.
كذلك كمال الحسن، رئيس الاستخبارات العسكرية، أخذ أموالاً ووثائق، قبل أن يصاب أثناء اشتباك مع مقاتلين عند هروبه من منطقته الفاخرة في ضواحي دمشق، ثم لجأ إلى السفارة الروسية.
وأما علي مملوك، مدير الأمن الوطني، فتمكن من الوصول أيضاً إلى السفارة الروسية، بعد أن نجا من كمين، قبل أن يُنقل إلى روسيا برفقة الحسن.
الاختفاء الكامل
ومن بين أكثر الفارين غموضاً، كان اللواء بسام حسن، المتهم بتنفيذ هجمات كيميائية وخطف الصحفي الأمريكي أوستن تايس.
وعلى الرغم من أنه كان نائماً عند بدء الفوضى، فقد هرب مع أسرته في ثلاث سيارات محمّلة بالأموال. وأوقفهم مقاتلون قرب حمص ونهبوا سيارة، لكنهم لم يتعرفوا إليه؛ إذ إن صوره في الإعلام كانت مزيفة. ووصل حسن في النهاية إلى لبنان.
وسائل الاختفاء
وطوال الأشهر الماضية، عمل فريق من «نيويورك تايمز» على تحديد هوية 55 مسؤولاً سابقاً في النظام، مدرجين على قوائم العقوبات، بسبب جرائم خلال الحرب.
وشملت التحقيقات تتبع الحسابات الرقمية، ووسائل التواصل الاجتماعي، والبحث في المقار المهجورة عن فواتير وهواتف ووثائق مالية.
وخلال التحقيق، أُجريت مقابلات مع عشرات المسؤولين السابقين، ومحامين وحقوقيين ومسؤولين من الحكومة الجديدة. كما زار الصحفيون عشرات الفلل والمكاتب المهجورة، وأعادوا رسم مسارات الهروب. وما زال مكان معظم هؤلاء مجهولاً.
وبحسب الصحيفة، فإن الرئيس السابق يعيش روسيا، بعد أن قطع علاقاته بدائرته السابقة، بينما يعيش شقيقه ماهر الأسد، في موسكو مع بعض كبار قادته، مثل جمال يونس. وبعض القادة العسكريين أمثال غياث دلا فيعتقد أنهم في لبنان.
ولم يعمد الجميع إلى الاختفاء؛ إذ إن بعض المسؤولين عقدوا صفقات للبقاء في سوريا، مثل عمرو الأرمنازي، المسؤول عن برنامج الأسلحة الكيميائية، الذي ما زال يعيش في منزله بدمشق.
عدالة غائبة
وبعد عشرة أشهر من انهيار النظام السابق، تواجه سوريا الجديدة مهمة مزدوجة: إعادة البناء، وملاحقة المسؤولين السابقين عن جرائمهم، وتعكف الحكومة الجديدة على تعقبهم عبر المخبرين والقرصنة الإلكترونية، والتفتيش عن آثارهم في مقار النظام المهجورة.
وبحسب الصحيفة، فإن ملاحقة رموز النظام السابق مهمة صعبة جداً، إذ كانوا رجالاً عاشوا في الظل، وامتلكوا السلطة المطلقة لعقود، ولا يُعرف حتى شكل بعضهم، أو أسماؤهم الحقيقية. وتسببت قلة المعلومات في أخطاء متكررة في الإعلام وفي قوائم العقوبات، ما ساعد بعض كبار رمز النظام على الإفلات.
وفي الوقت الذي فتحت فيه في أوروبا والولايات المتحدة، ملفات قضائية في حق رموز نظام الأسد، تواصل منظمات المجتمع المدني السورية ومحققو الأمم المتحدة جمع الأدلة والشهادات أملاً في تحقيق العدالة مستقبلاً.
