هل اشتعل الصراع بين الأشاعرة والسلفيين … الشيخ محمد حبش يجيب
رفض الباحث والمفكر الإسلامي محمد حبش القول بأن انتصار الثورة في سوريا هو انتصار للأغلبية السنية على الأقليات الطائفية، موضحاً أن ما جرى هو انتصار للشعب الحر على الاستبداد بكل أشكاله وتلاوينه، رافضاً في الوقت ذات ما يتم الترويج له عن وجود صراع ضمن المسلمين السنة بين أشعري وسلفي، مؤكداً أن الخلاف هو بين موالاة ومعارضة، وبين تيارات تؤمن بتجاوز الماضي، وأخرى تريد الانتقام منه.
وفي لقاء خاص له مع «القدس العربي» اعتبر حبش أن إقصاء الإسلام السياسي ليس موقفاً ديمقراطياً، ولن يحظى بأي تأييد في المجتمع السوري. وطالب باعتماد قانون الإدارة المحلية وتوسيعه بما يتيح مشاركة الأطراف في إدارة الدولة ويحافظ على قدر من مركزيتها، معتبراً أن إنجاز ترتيب سريع بغطاء أمريكي مع إسرائيل يوقف استباحتها المتواصلة، وهو مصلحة سورية حقيقية، وليس مصلحة إسرائيلية.
انتصار الشعب
حبش أكد أن سوريا اليوم في حاجة إلى الوعي بالقيم الإنسانية في الإسلام، فبدلا من تصنيف الناس على أساس طوائفهم، يجب تصنيفهم على أساس إيمانهم بالقيم الإنسانية، لأن التصنيف الطائفي سينتج مجتمعاً غير متساو وسيوفر جمراً تحت الرماد.
وأضاف: يجب قراءة المجتمع على أساس القيم بغض النظر عن الطوائف، وما يجري الحديث عنه من انتصار للأغلبية السنية على الأقليات الطائفية، هو كلام غير واقعي وغير سياسي وغير وطني، فما جرى هو انتصار الشعب الحر على الاستبداد بكل أشكاله وتلوناته والذي كان العدو الذي يدمر بلادنا، والآن يمكننا أن نعيد تنظيم صفوفنا على أساس القيم الإنسانية التي هي جزء أصيل من ديننا الإسلامي ومن كل الطوائف المحترمة التي تعيش في سوريا.
وتابع: أكتب اليوم كتابا بعنوان «سوريا الجميلة» وأتحدث فيه عن التكوينات السورية الأساسية من السادة أهل السنة والسادة المسيحيين والسادة الشيعة والسادة العلوية والسادة الإسماعيلية والسادة الدروز والسادة اليزيدية، وأتحدث عنهم كفئات حميدة تؤمن بالرحمة والتسامح والغفران، ويجب أن نبحث عن المشترك فيما بيننا، وأن نقاوم كل فتاوى التكفير والإقصاء والإلغاء والتحريض، ضد كل أشكال الطوائف.
واعتبر حبش أن الحديث اليوم عن وجود صراع أشعري سلفي داخل البلاد غير واقعي، وقال: هذا لا يوصّف المشهد الذي نتابعه هذه الأيام، لأن الخلاف الأشعري السلفي هو خلاف لاهوتي يتصل بتفسير النصوص الدينية، ولا علاقة له بالسياسة والواقع، ويمكن أن تجد في التيار الأشعري من هو مؤيد للاستبداد، ويمكن أن تجد من هو مؤيد للحريات، والأمر نفسه في التيار السلفي، وأعتقد أن الذين أدخلوا هذا المصطلح الآن لم يوفقوا، لأنهم لم يستخدموا المصطلح بطريقة صحيحة.
وأكد حبش أن الخلاف الآن هو بين موالاة ومعارضة، أو بين تيارات تؤمن بتجاوز الماضي، وتيارات تريد الانتقام منه، وسيبقى الخلاف الأشعري السلفي ولكن في إطاره اللاهوتي، وليس في السياق السياسي، ولن ينتج وضوحاً في الرؤية.
وأضاف: في الشأن السياسي اليوم هناك تياران، واحد يؤمن بالدولة الوطنية وله أنصاره من الأشاعرة والسلفية، وآخر يؤمن بالدولة الجهادية والخلافة وقتال المشركين والنصارى والزنادقة، وهذا التيار له مؤيدوه في الأشاعرة وفي السلفية، كما لا يمكن القول إن الأشاعرة يؤمنون بالدولة المدنية، وإن السلفية يؤمنون بالدولة الجهادية.
الإسلام السياسي
حبش، الذي كان قد دخل مجلس الشعب وافتتح مركزا إسلاميا في دمشق قبل اندلاع الثورة، ثم هرب خارج البلاد خوفا من بطش النظام، شدد على ضرورة أن يكون الباب مفتوحاً للجميع عندما نخرج من واقع كواقعنا، حيث استمرت لسنوات «الحرب الأهلية»، كما يوصّفها القانون الدولي والأمم المتحدة، ونوصّفها نحن بـ«الثورة»، وهذا المشهد انتهى اليوم، وإذا أردنا الخروج إلى مكان آخر، فينبغي أن لا يُحتكر المشهد السياسي بالمنتصر، وإن تم ذلك، فهو تأجيل للأزمات فقط وليس إنهاء لها، وربما تكبير لهذه الأزمات، حتى تعاود الانفجار مرة أخرى.
وقال: إن المجتمع الدولي والأمم المتحدة، وحتى دول الجوار العربي كلها، كانت تعمل لإنهاء الحرب في سوريا بمنطق «لا غالب ولا مغلوب»، وهذا هو مفهوم قرار مجلس الأمن الذي نص على إنهاء الاشتباكات في سوريا، ولكن الحرب انتهت بواقع «ساحق ومسحوق»، فالثوار انتصروا، والنظام هُزم هزيمة ساحقة وماحقة واختفى تماماً من المشهد، ولكننا لا يمكن لنا الذهاب إلى واقع جديد إلا بإشراك الجميع.
لا يمكن محاكمة كل الناس على أنهم خونة لمجرد أنهم لم يشاركوا في الثورة
وبين أن هناك جيلا كاملا كان مرتبطاً بشكل أو بآخر، بهذا النظام، ولا يمكن الانتقام من هذا الجيل، بل يجب الاعتراف بواقع المعاناة التي عاشها المهاجرون أو الراسخون الذين ثبتوا في الأرض، ولا يمكن محاكمة كل الناس على أنهم خونة لمجرد أنهم لم يشاركوا في الثورة، أو حتى لم يؤيدوها، فنحن في واقع جديد يجب أن تتاح للجميع فيه المشاركة في الحياة السياسية، وأصبحت هذه الأمور ممكنة، لأنه لم يعد هناك طرف يتغوّل على الأطراف الأخرى ويفرض الأمر الواقع.
ورأى حبش، وهو يناقش إمكان فتح الباب أمام الأحزاب الدينية أو العرقية مثل جماعة الإخوان المسلمين للنشاط داخل البلاد، أن الإسلام السياسي هو حالة من حالات التنافس السياسي في أي دولة ممكنة، وإقصاء الإسلام السياسي ليس موقفاً ديمقراطياً، ولن يحظى بأي تأييد في المجتمع السوري المقتنع تماماً بأن الرسول نفسه هو إسلام سياسي، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كلهم كانوا إسلاماً سياسياً، ويديرون دولة، وليس مساجد أو معاهد شرعية، وكان من مسؤوليتهم أن يؤسسوا للدولة المدنية، وهذا ما فعلوه.
وقال: يجب ألا نتحسس من مشاركة الإسلام السياسي في الحياة السياسية، شريطة أن يقع الجميع تحت حكم القانون، والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، والإيمان بتداول السلطة، وكل تيار يؤمن بهذه القيم الأساسية يجب أن يرحب به في الحياة السياسية، وأن لا يقصى منها، لأن الإقصاء سيأتي بنتائج معاكسة.
المحاسبة
وعبّر حبش عن تفاؤله بما آلت إليه الأوضاع في سوريا وقال: لا أعتقد أن أحدا أكثر مني فرحاً بالتحول الجديد، فلقد كنا محكومين بالإعدام، وفقدنا كل ما نملك من أموالنا وبيوتنا، والآن، بعد التحول الجديد، سقطت كل هذه الأحكام الجائرة، وعاد لنا البيت الذي هو حصاد العمر.
وأضاف: أن التحول هو لمصلحة السوريين ونعمل كل يوم من أجل وقف النزاعات الانتقامية والعنيفة، وندعو إلى الغفران، وأن نعذر الناس ونفهم ظروف عيشهم تحت النظام المتوحش، ونرحم الذين عاشوا في هذه الظروف واستمروا وأجبروا أحيانا أو تحت سطوة الخوف، على أن يقولوا ما لا يعتقدون.
إقصاء الإسلام السياسي ليس موقفاً ديمقراطياً ولن يحظى بأي تأييد في المجتمع
ورأى حبش أنه لا يمكن للثورة أن تتعامل مع مجتمع بأسره على أساس موقفه السياسي، فالمواطنة حق لكل الناس، ووفق القانون الدولي، لا يحاسب إلا من ارتكب جرائم الحرب، أما مجرد الانخراط في الدولة السابقة، سواء عسكرياً أو حتى أمنياً، فهذه ليست تهمة تقتضي الإقصاء وإنهاء الحياة السياسية، ومن حق الناس أن تساهم وتشارك، وأنا أكتب كل يوم في الغفران وفي الرحمة وضد نزعة الانتقام حتى نقوم معا لبناء وطننا الجديد. وبيّن أن عودته النهائية إلى الوطن هي حلم، فأنا سعيد لأني أحدثك الآن من دمشق، لكنني ملتزم مع سبع جامعات، كعضو في لجان الترقيات، ولا أستطيع أن أتحلل من كل هذه الالتزامات مرة واحدة، كما وحتى الآن، لا يوجد لي عمل مباشر في الحياة العامة في سوريا، ومن المنطقي أن أستكمل التزاماتي، وسأعود في أقرب فرصة.
إدارة محلية موسعة
واعتبر حبش أن أفضل طريقة للتعامل مع المطالبات التي تطلقها الأطراف في شمال شرق سوريا أو في الجنوب في السويداء وبعض المطالب الصادرة من الساحل السوري، هي بتفعيل قانون الإدارة المحلية، على اعتبار أننا نعيش اليوم في عدة كيانات مسلحة داخل الوطن السوري، وهذا ناشئ من الإدارة الخاطئة للنظام السابق، التي وضعت البلاد على حافة التقسيم، وما يجب فعله هو تفعيل نظام الإدارة المحلية، لأن الثقة معدومة تقريباً بين السوريين، والجميع يبحث عن نظام يأمن فيه من الخوف ويضمن ألا يقع الاعتداء عليه.
وقال: أعتقد أن المرحلة الآن تتطلب تفعيل قانون الإدارة المحلية وتوسيعه بحيث تشترك الأطراف في إدارة الدولة، على الأقل في مناطقها، ونحافظ على قدر من مركزية الدولة ووضوحها، وهذا أمر ممكن تماما في ظل قانون الإدارة المحلية.
مصلحة سورية
وعبر حبش عن اعتقاده تجاه مستقبل العلاقة مع العدو الإسرائيلي بأن الجانب المستفيد من غياب التفاوض هو إسرائيل، وهي الكيان الذي يرحب ويطالب ويفرح بغياب أي شكل من التفاوض، فهي الآن تستبيح البلاد استباحة كاملة، وتقول للعالم إنه هنا يوجد نظام «إرهابي» ونحن لا نعترف به وهو لا يعترف بنا، ولا يوجد بيننا أي اتفاقيات، ونحن نقوم بالدفاع عن أمننا.
ورأى أنه لا يمكن وقف الاستباحة الإسرائيلية وتدمير قدرات الجيش السوري، عن طريق فتح اشتباك جديد، وكلنا يعلم اختلال موازين القوى بشكل كامل، وما يمكن فعله هو الاستعانة بالمجتمع الدولي، وخاصة أمريكا، لعقد اتفاق أو معاهدة أو ترتيب على مناطق الحدودية، يوقف الاعتداءات، وهذه مصلحة سورية حقيقية وليس مصلحة إسرائيلية في الواقع الراهن.
وخلص إلى القول: على السوريين أن يستفيدوا من الفرصة التي يوفرها الغطاء الأمريكي لإنجاز مثل هذا الاتفاق، وأتمنى أن يحصل سريعاً، ولا علاقة له باتفاقيات السلام والتطبيع، بل هو مجرد اتفاقية لضبط ووقف الاعتداء اليومي على سوريا.
القدس العربي
صفحة الفيس بوك :https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
