اخترنا لكمسوشيال ميديا

شح الموارد والخصخصة والتضخم ترسم تحديات الاقتصاد السوري

بين غياب نموذج اقتصادي واضح وشح الموارد واتساع الاقتصاد غير الرسمي، تواجه سورية تحديات متشابكة في مرحلة التعافي، لا تتعلق فقط بتمويل إعادة الإعمار، بل بطبيعة التحول الاقتصادي ودور الدولة والقطاع الخاص، وقدرة المؤسسات على ضبط الأسواق وتوجيه الموارد نحو التنمية. وقدّرت إحدى المداخلات حجم الاقتصاد غير الرسمي بما يتراوح بين 62 و70% من الاقتصاد السوري، محذرة من دوره في تضخيم أثر الصدمات التضخمية الخارجية.

هذه الملفات كانت محور الجلسة الاقتصادية في اليوم الثاني من المنتدى السوري السنوي للدراسات السورية المعاصرة في دورته السادسة، التي أدارها الاقتصادي السوري الدكتور سمير سعيفان، المدير السابق لمركز حرمون، وشهدت تقديم أربع أوراق بحثية تناولت الاقتصاد السياسي لإعادة الإعمار، والخصخصة، والتضخم المستورد، وإعادة بناء البنية التحتية للموارد المائية.

نموذج اقتصادي لم تتضح وجهته

حدد سعيفان تحديين رئيسيين أمام الاقتصاد السوري، أولهما عدم حسم النموذج الاقتصادي الذي تتجه إليه البلاد، بعد تراكم بقايا السياسات الاشتراكية مع آليات اقتصاد السوق ومصالح الفئات الحاكمة.

وأشار إلى التباين بين الليبرالية الاقتصادية المتشددة والاقتصاد الاجتماعي الذي يتضمن برامج واسعة للحماية والدعم، لكنها تحتاج إلى موارد مالية واقتصاد قادر على تمويلها.

أما التحدي الثاني، فيتمثل في شح الموارد المتاحة للدولة، معتبراً أن عدداً من القرارات الاقتصادية التي لم تحظَ بقبول شعبي ارتبط بمحاولة تأمين موارد إضافية في ظل محدودية الإمكانات. وأكد أن الاقتصاد يشكل ركيزة الدولة والمجتمع، لأنه يحدد القدرة الفعلية على تلبية الاحتياجات وتمويل الخدمات.

إعادة الإعمار والخصخصة.. من يدير التحول؟

تناولت ورقة الدكتور جوزيف طاهر «الاقتصاد السياسي لإعادة الإعمار ما بعد التحرير: الفاعلون والمصالح وتحديات الانتقال»، مسألة إعادة البناء من زاوية الأطراف الفاعلة والمصالح التي تؤثر في مسارها، بما يتجاوز توفير التمويل وتنفيذ مشروعات البنية التحتية إلى تحديد الأولويات وتوزيع الموارد وإدارة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص.

اقرأ أيضا: بمباركة بيدرسون: إشهار أول مؤسسة معنية بالدراسات الاجتماعية في سوريا

من جهته، ناقش الدكتور إبراهيم هرموش في ورقته «الخصخصة في سورية ما بعد الصراع بين ضرورات الإصلاح ومخاطر التحول الاقتصادي»، مستقبل القطاع العام وآليات إصلاحه أو نقل ملكية بعض أصوله، وما يرتبط بذلك من ضرورة ضمان الشفافية والمنافسة وحماية حقوق العاملين ومنع الاحتكار. وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية في ظل شح الموارد، إذ لا تتوقف نتائج الخصخصة على تخفيف الأعباء المالية، بل على الضوابط التي تحكمها وكيفية إدارة الأصول العامة.

الاقتصاد غير الرسمي يفاقم التضخم

وفي محور التضخم، قدّر الدكتور فراس شعبو أن الاقتصاد غير الرسمي يشكل ما بين 62 و70% من الاقتصاد السوري، معتبراً أنه بات يقود النشاط الاقتصادي. وأوضح أن هذا الاقتصاد يشمل المشروعات غير المسجلة، والتهرب الضريبي، والتعاملات المالية خارج القنوات الرسمية، إلى جانب الأنشطة غير المشروعة كالتهريب وتجارة الكبتاغون.

وربط شعبو اتساعه بضعف قدرة الدولة على ضبط الأسواق وتحصيل الإيرادات وتوفير بيانات دقيقة عن النشاط الاقتصادي، مشيراً إلى أنه يضاعف أثر الصدمات التضخمية الخارجية بنحو خمسة أضعاف وفق ما عرضه.

ولفت إلى أن ارتفاع الأسعار العالمية للطاقة والمواد الغذائية والنقل والشحن ينتقل بسرعة إلى السوق السورية، بينما لا تنعكس الانخفاضات بالسرعة نفسها، مقدراً متوسط استمرار أثر الصدمة التضخمية بنحو أربعة أشهر. وطرح إجراءات لمواجهة هذه التأثيرات، تشمل العقود الآجلة لشراء النفط والمواد الأساسية، وبناء احتياطيات استراتيجية، وتعزيز اتفاقيات التعاون بين الدول.

اقرا أيضا: شح الموارد والخصخصة والتضخم ترسم تحديات الاقتصاد السوري

كما ناقشت الجلسة ورقة الدكتور قيس حجاوي بعنوان «التضخم المستورد والاقتصاد غير الرسمي في سورية: محددات التذبذب التضخمي خلال الفترة 2010–2024»، في إطار بحث العوامل التي تؤثر في تقلبات الأسعار خلال هذه المرحلة.

التنمية السياسية والمياه.. ركيزتان للتعافي

وفي ورقته «التطورات السياسية والتنمية في سورية»، ربط الباحث مازن علي بين مسار التنمية السياسية والتنمية الاقتصادية، مؤكداً أن التعافي ينبغي أن ينعكس بصورة ملموسة على معيشة المواطنين، وأن تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة يبقى صعباً في غياب مسار متكامل للتنمية السياسية. واعتبر أن المشروعات الاقتصادية وحدها لا تكفي لتحقيق التنمية الشاملة من دون بيئة سياسية ومؤسسية قادرة على دعمها.

أما الدكتورة كفاح حسيان، فقد تناولت في ورقتها «إعادة بناء البنية التحتية للموارد المائية في سورية: تحديات الاستدامة في سياق إعادة الإعمار» أحد الملفات الحيوية في عملية التعافي، إذ لا تقتصر إعادة بناء البنية التحتية المائية على إصلاح المنشآت والشبكات المتضررة، بل تشمل ضمان استدامة الموارد وحسن إدارتها، بالنظر إلى

ارتباط المياه بالإنتاج الزراعي والأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي.

وتتقاطع هذه المحاور عند حقيقة أن التعافي السوري يحتاج إلى أكثر من التمويل والمشروعات؛ فهو يتطلب وضوحاً في النموذج الاقتصادي، وإصلاحاً مؤسسياً، وتنظيماً للأسواق، وإدارة شفافة للأصول العامة والموارد الطبيعية، بما يضمن تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح والحماية الاجتماعية، وتحويل إعادة الإعمار إلى تنمية تنعكس فعلياً على حياة السوريين.

العين السورية

صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR