اخترنا لكممش عيب

كيف تحاول واشنطن تحويل سوريا المدمرة إلى ممر طاقة عالمي؟

تخطط واشنطن لجعل سوريا ممراً لأنابيب الطاقة نحو تركيا وأوروبا. لكن هذا الحلم يصطدم، وفق معنيين، بعوائق الأمن والتمويل والمنافسة الإقليمية والبدائل الأكثر جاهزية.

في خضم التحولات الجيوسياسية الكبرى التي أعقبت إغلاق مضيق هرمز وتداعيات حملة “الغضب الملحمي” العسكرية، برزت وثيقة أعدّها المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك، ترسم خريطة طموحة لإعادة دمشق إلى قلب خريطة الطاقة العالمية.

الخطة لا تكتفي بالنقل البرّي التقليدي للنفط، بل ترتكز أساسا على إحياء وتطوير شبكة ضخمة من خطوط الأنابيب القائمة والمقترحة، لربط حقول الخليج والعراق بالموانئ الأوروبية في البحر المتوسط.

جوهر الخطة: المطلوب شبكة أنابيب وليست مجرّد طرق برّية

وتوضح وثيقةٌ حصل عليها موقع”المجلة” التابع للمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام” SRMG أن مصطلح “الجسر البري” الذي يستخدمه المبعوث الأمريكي توم براك لا يعني النقل بالشاحنات، بل يشير تحديداً إلى مسارات خطوط أنابيب أرضية كبديل استراتيجي للممرات البحرية المعرّضة للخطر. وترتكز الخطة على أربعة محاور رئيسية لشبكات الأنابيب:

ويوجز براك رؤيته بالقول إن تحويل “الممرّات البحرية إلى سلاح” في إشارة إلى إيران ومحاولتها استخدام ورقمة مضيق هرمز يدفع العالم إلى البحث عن وسائل بديلة آمنة من الناحية الجيوسياسية، وتنقل الوثيقة عن مبعوث ترامب الخاص إلى سوريا قوله: “عندما تتحول المضائق البحرية إلى سلاح، يصبح تأمين الإمدادات عبر مسار بري ضرورة استراتيجية مهما كانت الكلفة التي قد تتجاوز حسابات اقتصادات السوق.”

ويستند طرح باراك إلى معطيات ميدانية، أبرزها استعادة دمشق السيطرة على 70 في المئة من الاحتياطيات النفطية بعد تفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية في يناير 2026، وتوقيع مذكرات تفاهم مع شركات أميركية كبرى مثل “شيفرون” و”بيكر هيوز” و”كونوكو فيليبس”، إلى جانب عقد تحالفات مع السعودية وقطر باستثمارات مرتقبة تصل إلى 28 مليار دولار.

سركيس قصارجيان: “طرح قديم أُلبس اليوم ثوب البروباغاندا”

يضع الصحفي المتخصص في شؤون تركيا والشرق الأوسط سركيس قصارجيان خطة براك في سياق مختلف تماماً. ويقول قصارجيان ليورونيوز: “أعتقد أنه يمكن إدراج طرح توم باراك في إطار البروبغاندا، لأنه ليس بجديد”.

ويشير قصارجيان إلى أن فكرة تحويل سوريا وتركيا إلى منفذ للطاقة تعود إلى بداية الألفية، في زمن الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، وكانت مشروعا أساسيا “طرحه الرئيس التركي السابق عبد الله جول وشدد عليه الأسد في حينه”، مضيفاً: “اليوم وبعد 25 سنة أعتقد بأن هذا الحديث يجانب قليلا الواقع”.

الجغرافيا لا تصبّ في مصلحة دمشق

ويقدم الخبير قصارجيان تفنيداً جغرافياً واقتصادياً للطرح الأمريكي، متسائلاً عن الجدوى من اختيار سوريا كبديل لمضيق هرمز. ويقول: “الحديث عن أن تصبح سوريا بديلا لمضيق هرمز، فإن هذا الحديث ليس منطقيا لأسباب عديدة. فسوريا هي الدولة الأخيرة التي يمكن ترشيحها في المنطقة، إذا ما قارناها بكل الدول التي لا تتأثر بشكل مباشر بمضيق هرمز. فهذه الدول تمتلك البنية التحتية والموانئ والمنافذ التي تخوّلها لأن تكون ملائمة لمثل هذه المشاريع أكثر من دمشق.”

ويعدّد الصحفي المتخصص البدائل المتاحة: “نحن نتحدث عن الموانئ السعودية في البحر الأحمر، عن الموانئ الإسرائيلية على البحر المتوسط، عن الموانئ التركية على البحر المتوسط. هذا المستثمر لماذا سيترك كل هذه الدول؟”.

ويرى قصارجيان أن موقع سوريا الجغرافي قد يكون مفيداً لنقل كميات محدودة من نفط شمال العراق عبر خط كركوك–بانياس، لكنه “قطعا لا يساعد لا النفط الإيراني ولا الكويتي ولا البحريني ولا الغاز القطري ولا النفط السعودي والإماراتي.”

ويضيف أن خط كركوك–جيهان بين العراق وتركيا يبقى الخيار الأكثر واقعية، مشيراً إلى إعلان وزير النقل التركي مؤخراً عن اتفاق لتطوير مشروع يربط الخليج بتركيا عبر العراق “بدعم مادي ولوجستي من قطر والإمارات”، معتبراً أن هذا المشروع “أكثر واقعية من طرح توم براك.”

معضلات الأمن والحوكمة

أما على صعيد البنية التحتية والأمن، فيحذر قصارجيان من أن “إنشاء شبكة أنابيب جديدة والمواظبة على إصلاح هذه الشبكة وأيضا حراستها وضمان أمنها وسلامتها كلّ هذه أمور صعبة جدا ومعقدة جدا، خاصة في جغرافيا مثل جغرافيا الشرق الأوسط”.

ويلفت الصحفي المتخصص إلى أن توم براك “كان يسوّق لسلطة قائمة ومستقرة، وأن وسوريا مستقرة ولا توجد مشاكل في الداخل، بينما كانت الدول أو حتى سوريا نفسها تعاني من الكثير من الصراعات والصدامات وصولا إلى المجازر وفق التقارير الدولية”.

وأما بخصوص الغاز، فيشير قصارجيان إلى تحول استراتيجي تعكسه الأسواق العالمية، قائلاً: “قطر توجهت إلى الغاز المسال، أيضا هناك توجّه مصري بهذا الخصوص، وبالتالي لا أرى واقعية في هذه المشاريع التي يتم الحديث عنها”.

إعادة الإعمار: سنة ونصف ولا تقدم يُذكر

ويختتم قصارجيان تعقيبه بإسقاط الشكوك على مسار إعادة الإعمار برمّته، معتبراً أن “الملف الداخلي السوري هو المؤثر الأساسي”.

ويوضّح: “إعادة الإعمار والتنمية مرتبطة بشكل رئيسي بالملف السوري كلّه، بمعنى استقرار السلطة، الاستقرار الداخلي والأمن، إصلاح النظام القضائي، وتحقيق كامل الشفافية في الحوكمة وإدارة المؤسسات”.

ويلفت المتحدث إلى أن “كل ما تم الحديث عنه وطرحه والإعلان عنه قد تم في إطار اتفاقيات تفاهم إذ لا توجد خطوة عملية على أرض الواقع”، مضيفاً: “نحن اليوم بعد أكثر من سنة ونصف من تشكيل الحكومة، لم نشهد أي تقدم في ملف إعادة الإعمار في سوريا”.

ويرى سركيس قصارجيان أن الاقتصاد السوري لا يزال قائماً “بالدرجة الأولى على الدعم المالي المباشر للدول المؤيدة للسلطة في دمشق”، معتبراً أن هذا الدعم “محدود جدا” وإن كان لم يتراجع بفعل الحرب الأخيرة.

مقابل الرؤية المتشككة التي يتبناها سركيس قصارجيان، يقدم المهندس غسان الراعي، الخبير في قطاع البترول، قراءة تركز على الجانب التقني والهندسي للمشروع. ويرى الراعي أن الطرح الأمريكي ليس مستحيلاً من الناحية الهندسية، لكن تنفيذه مرهون بتوفر عوامل محددة.

يقول غسان الراعي ليورونيوز: “نظرياً وعملياً يمكن تطبيقه، لكن يعتمد على المال والأمان والتفاوض”.

البنية التحتية القائمة: الأنابيب موجودة تحت الأرض

ويشير الراعي إلى أن البنية التحتية الأساسية لا تزال موجودة، موضحاً أن محطات الضخ “تي 1 وتي 2 وتي 3” وخط “تي فور” الممتد من كركوك إلى سوريا كان يعمل قبل عام 2011.

ويشرح الراعي طريقة دفن الأنابيب لحمايتها: “الأنبوب عندما يوضع تحت الأرض لا يوضع على التراب مباشرة كي لا يتأثر بالعوامل الجوية. ولا يوضع على التراب العادي. يوضع على تربة الحدائق، تربة الأطفال، هذه التربة الحمراء. هذه ضد الرطوبة ولا تتكلس، تصبح مثل الإسمنت”.

ويروي المهندس السوري شهادته على واقع القطاع قبل الحرب الأهلية في سوريا: “كان هناك موظفون من حمص، نصف حمص كانت موظفة. لكن عندما ظهر داعش حصلت ألف مشكلة”.

حلول هندسية لتعزيز الطاقة الاستيعابية للأنابيب

وفيما يتعلق بكميات النفط التي يمكن نقلُها، يوضح الراعي أن الطاقة الاستيعابية لخط الأنابيب الواحد قد تصل إلى نحو مليون برميل يومياً، بينما تصدّر مراكز النفط في الخليج نحو عشرين مليون برميل يومياً.

ويقدم الراعي الحل الهندسي لهذه المعضلة قائلا: “إذا كانت الصحراء مفتوحة، يمكنك مدّ ما تريد من الخطوط على عمق ثلاثة أمتار تحت الأرض. إذا تم مد خطين أو ثلاثة بقُطْر أربعين إنشاً، وزادوا محطات الضخ، يمكن تحقيق الكميات المطلوبة”.

ويشرح أن “محطات الضخ” هي منشآت توزّع على مسافات محددة لدفع النفط أو الغاز داخل الأنبوب لمسافات طويلة. ويضيف: “كل شيء ممكن. هذه مسائل تتعلق بالتقنيات الثقيلة واللحام والتمديد”.

أزمة اليد العاملة الماهرة

لكن الراعي يقرّ بوجود تحديات لوجستية كبيرة، أبرزها نقص العمالة الفنية الماهرة في سوريا حالياً. ويقول: “الأيادي المحترفة تراجعت كثيراً بسبب الظروف”.

ويضيف موضحاً: “نحن نفتقد الخبرات اليوم في سوريا. معظم الشباب المحترفين، أقول لك إن ثمانين في المئة ممن كانوا يعملون معنا سابقاً موجودون الآن في أبوظبي وفي السعودية. فكلهم خرجوا. لأنه لم يعد هناك عمل في سوريا منذ عشر أو اثنتي عشرة سنة”.

لكن الراعي يؤكد أن هذه العقبة قابلة للحل في حال توفر التمويل اللازم، عبر استقدام عمالة أجنبية متخصصة أو إعادة الكفاءات السورية من الخارج. ويقول: “إذا توفرت العملة الصعبة، يمكنك جلب شركات متخصصة في خطوط الأنابيب. هناك أيدٍ عاملة كثيرة من الفلبين وإندونيسيا وباكستان”.

ويختم المهندس غسان الراعي حديثه بخلاصة واضحة تجمع بين التفاؤل التقني والواقعية الصارمة متسائلا: “إذا كانت مصادر التمويل والأمان والتفاوض موجودة، فلم لا؟”.

يورو نيوز

صفجة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress

Visited 5 times, 5 visit(s) today