اخترنا لكمحكي الناس

معركة بناء الدولة تبدأ من هنا.. والانفتاح الدبلوماسي لا يكفي لتحقيق التعافي

لم تعد التحديات أمام سوريا مقتصرة على تجاوز آثار سنوات الصراع، بل تشمل بناء دولة تستوعب التحولات، وتنظم العلاقة بين مؤسساتها ومواطنيها، وتمنع إعادة إنتاج الأزمات السابقة.

وتصدرت هذه القضايا أعمال المنتدى السنوي السادس للدراسات السورية المعاصرة، الذي ينظمه المركز العربي للدراسات السورية المعاصرة على مدى ثلاثة أيام، بمشاركة باحثين وأكاديميين وخبراء سوريين وعرب وأجانب. وناقش المنتدى المسار الدستوري، واستقلال القضاء، والعدالة الانتقالية، والتداول السياسي، والسياسة الخارجية والتنمية الاقتصادية.

معركة بناء الدولة

واحتل الانتقال من الإعلان الدستوري الصادر في آذار 2025 إلى دستور دائم حيزًا بارزًا من النقاش، بما يشمل الجهة التي تتولى إعداده، وآليات تشكيلها، ومشاركة المواطنين في صياغته وإقراره. وفي بحثه «المسار الإجرائي للدستور السوري الدائم»، شدد مدير المركز، الدكتور إبراهيم دراجي، على أن شرعية الدستور ترتبط بمضمونه وبالمسار الذي ينتج عنه.

اقرا أيضا: سوريا تخسر فرصة هامة وجامعة لبناء الدولة

ورجّح دراجي الاستناد إلى تعديل الإعلان الدستوري، وفق المادة 50 منه، لوضع إطار قانوني ينظم العملية الدستورية ومراحلها وضماناتها، مؤكدًا أهمية المشاركة العامة ووجود بيئة سياسية ومدنية وإعلامية تتيح تكوين الرأي الدستوري والتعبير عنه.

وفي ملف القضاء، ناقش الدكتور فضل عبد الغني مدى كفاية إصلاح مجلس القضاء الأعلى لضمان استقلال السلطة القضائية. ورأى أن إعادة تشكيل المجلس خطوة ضرورية، لكنها تحتاج إلى ضمانات تحد من تغوّل السلطة التنفيذية، وتوزع صلاحيات التعيين، وتحمي الاستقرار الوظيفي للقضاة، وتضع قيودًا على العزل وتعارض المناصب، إلى جانب رقابة مستقلة على دستورية القوانين.

وتناول المنتدى كذلك العدالة الانتقالية، إذ دعا الدكتور محمود درويش، في بحثه «تمكين المرأة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا»، إلى مراعاة أثر سنوات الصراع على النساء والفتيات، وإشراكهن في كشف الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي والتشريعي، مع حماية الضحايا والشاهدات.

قضايا دور المرأة

وشملت الجلسات قضايا دور المرأة والفضاء السيبراني في العدالة الانتقالية، واللاجئين والنازحين والمهجرين وتحديات العودة من المخيمات، إضافة إلى سبل حماية المدنيين والاستفادة من تجارب الماضي لمنع تكرار الانتهاكات.

وركزت مداخلات المنتدى على تجاوز تشخيص آثار الصراع إلى طرح رؤى عملية لبناء المؤسسات وتوسيع المشاركة، وتحويل التحولات السياسية إلى مسار مستقر، بما يجعل القواعد الدستورية والقانونية ضمانات فعلية في إدارة الدولة.

في محور بناء النظام السياسي، شددت الباحثة في العلاقات الدولية الدكتورة توغتشه أورالر على ضرورة وضع قواعد واضحة للتداول السياسي وصناعة القرار وإدارة الخلاف، وتنظيم العلاقة بين المجالس الموازية والمؤسسات الرسمية، وضمان التمثيل والمساءلة. كما أكدت أهمية الإفصاح والرقابة التشريعية والمشاركة المجتمعية في مشاريع الاستثمار والأراضي ذات المنفعة العامة.

اقرا أيضا: عبدي يعلن اكتمال دمج «قسد» في الدولة السورية

ودعا الدكتور حسين الشرع إلى التمييز بين الدولة بوصفها مؤسسات مستمرة، والثورة باعتبارها مرحلة تغيير سياسي، مؤكداً أن بناء الدولة يحتاج إلى أطر دستورية وقانونية تنظم البرلمان والأحزاب والمواطنة والعمل السياسي. وأضاف أن تطوير المؤسسات يتطلب تراكم الخبرات والكفاءات، ورؤية اقتصادية واستثمارية تستند إلى التخطيط وتحويل الإمكانات إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

تصفير المشكلات

وفي السياسة الخارجية، ناقش الدكتور سمير العبد الله سياسة «تصفير المشكلات» والانفتاح الدبلوماسي بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول 2024، موضحاً أنها تقوم على إدارة الخلاف بالحوار وتوسيع العلاقات المتوازنة. لكنه أشار إلى أن توسيع العلاقات لا يضمن التعافي الاقتصادي ما لم تتمكن المؤسسات من تنفيذ الاتفاقات وتحويلها إلى فرص مستدامة. اقتصادياً، أكد الباحث مازن علي أن رفع العقوبات وتدفق الاستثمارات لا يحققان تحسناً تلقائياً من دون مؤسسات تمثل المصالح الاجتماعية وتحول الموارد إلى سياسات قابلة للتنفيذ، لافتاً إلى أهمية المشاركة والتعددية في قضايا الضرائب والعمل والفقر والحماية الاجتماعية.

وتناول الدكتور عماد العلي مفهوم «رجل الدولة» بوصفه فاعلاً يصل المعرفة بالقرار، ويوازن بين الواقعية السياسية والمسؤولية والحكمة، وينظم التعدد باعتبار الدولة شأناً عاماً. وتبرز هذه المحاور أسئلة مستقبل سوريا حول العلاقة بين الدولة والمجتمع، وحدود المشاركة السياسية، وضمان الحقوق، وقدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب المواطنين.

صفحة الفيس بوك :https://www.facebook.com/narampress