تحذيرات من انتهاء شهر العسل في سوريا
وصلت ارتدادات نتائج الانتخابات الأمريكية وتحقيق الديمقراطيون فوزا كاسحا على الجمهوريين، إلى العاصمة السورية، ولكن وسط تباين فيما يمكن أن يتركه إعادة رسم خارطة التوازنات داخل الكونغرس بمجلسيه.
واعتبر عضو مجلس الشعب السوري، نوار نجمة ( Nawar Najmeh ) ، في تصريح لـ”القدس العربي” أن الدول ذات الديمقراطيات العريقة لا تشهد زلازل سياسية، بل جولات من التداول الطبيعي للسلطة، مؤكدا أن الدعم الأمريكي الأعمى لإسرائيل تبقى سياسة مؤسساتية وصهيونية عابرة للأحزاب، ومشيرا إلى أن محدد العلاقة بين دمشق وواشنطن هو مدى مرونة الدولة السورية وقدرتها على الموازنة بين تحقيق مصالحها الوطنية والاستقرار الإقليمي، مع ما يتقاطع مع مصالح الحلفاء العرب والدول العظمى.
اقرا أيضا: ترامب يلوّح ضربة ساحقة لإيران
وفي الاتجاه الآخر قال المستشار السياسي والإعلامي أيمن عبد النور ( Ayman Abdel Nour ) إن تأثير نتائج الانتخابات الأمريكية سيكون كبيرا على سوريا سواء فيما يتعلق والحرب الأمريكية على إيران أو كبح إسرائيل، معتبرا في تصريحه لـ”القدس العربي” أن شهر العسل بين واشنطن ودمشق قد توقف، فقد كانت هناك فرصا ونافذة مهمة جدا كان يمكن استغلالها في الفترات الأولى بعد التحرير والنصر، وذهبت نتيجة عدم خبرة الفريق الإداري الحكومي في جذب الاستثمارات.
الدولة العميقة
نائب رئيس لجنة العلاقات الدبلوماسية والقنصلية في مجلس الشعب، رفض تسمه ما حصل في الولايات المتحدة بأنه كان بمثابة زلزال ديمقراطي على حساب الجمهوريين، وقال إن الدول التي تمتلك ديمقراطيات عريقة، لا يحدث فيها زلازل، وإنما تغيرات سياسية وتصحيح لبعض المسارات وغالبا ما يكون لها ابعادا اقتصادية واجتماعية، وفي تلك الدول يجري تداول على السلطة ويمنح الفرقاء السياسيين الفرص لتقديم برامجهم ومن ثم محاسبتهم عليها خلال الانتخابات.
وبين نجمة أنه غالبا ما نتحدث عن تغيرات كبيرة في السياسات الأمريكية نتيجة هذه الانتخابات، لكن يبقى هناك خط عريض وطويل مستمر، ترسمه المؤسسات الأمريكية (الدولة العميقة)، أكثر مما يرسمه الأشخاص في مسألة السياسة الأمريكية، مشيرا إلى أن تغير الوضع السياسي في الكونغرس الأمريكي لصالح الديمقراطيين إنما يعبر بشكل أو بآخر عن عدم رضا لدى الشعب الأمريكي على سياسات الجمهوريين والرئيس دونالد ترامب، سواء على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي الداخلي، وهو الأهم، أو على مستوى السياسات الخارجية، وربما مسألة إدارته للصراع مع إيران هي واحدة من الأسس التي تمت محاسبة الرئيس ترامب عليها.
معارك انتخابية
وعلق نجمة على ما تم تقديمه بأن الانتخابات الأمريكية كانت في أحد أوجهها معركة للجمهوريين ضد الإسلام أو معركة للديمقراطيين ضد السياسات الإسرائيلية وتحديدا ضد نتنياهو، مشيرا إلى أن المعارك الانتخابية تنتهي عموما بإعلان النتائج، وفي هذه المعارك تستخدم أسلحة منطقية وغير منطقية، وواقعية وغير واقعية، معتبرا أن تصوير البعض أن الوضع كان معركة على الإسلام، هو بعيد عن الواقع، لأن كل الشخصيات المرشحة في الانتخابات الأمريكية بالنهاية هي شخصيات تحترم الدستور الأمريكي، وتحترم القوانين الأمريكية، ولا تترشح على أسس دينية، أو طائفية.
وتابع: ربما يستغل البعض أثناء الانتخابات، الانتماءات الدينية لبعض الأشخاص لشن نوع من المعارك الانتخابية ضده، وهذا يتعلق حتى بموضوع السياسات الإسرائيلية، ولكننا نعرف أن السياسات الأمريكية الداعمة لإسرائيل، هي ليست سياسة أشخاص، وإنما سياسة نابعة عن ضغط مستمر على الإدارات الأمريكية من مؤسسات إسرائيلية صهيونية قوية موجودة في الحياة السياسية الأمريكية.
وأضاف: إن الدعم الأمريكي لإسرائيل لم يتوقف عبر التاريخ، بغض النظر عمن يحكم أمريكا، سواء كانوا ديمقراطيين أو جمهوريين، والنقطة الأهم بالنسبة لنا هي تأثير هذه الانتخابات على سوريا.
لا مصالح شخصية
وقال نجمة إن البعض يعتقد أن لدينا أصدقاء في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذه الصداقات الشخصية تساعد في تحسن الوضع في سوريا، ومنهم الرئيس ترامب والمبعوث الخاص إلى سوريا والعراق السفير توماس براك، لكن في عالم السياسة لا توجد صداقات شخصية، إنما المصالح هي التي تحكم، وسياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه سوريا لن يحددها وجود أشخاص معينين في الإدارة الأمريكية، بقدر ما يحددها مصالح الإدارة الأمريكية مع الدولة السورية، ودرجة قدرة الدولة السورية ومرونتها في تحقيق المصالح الأمريكية ومصالح الشرق الأوسط ومصالح شعبها.
اقرأ أيضا: ترامب: الملف الإيراني أحد عوامل خسارتنا في الانتخابات
وأضاف، علينا أن نمتلك المرونة الكافية لتحقيق هذا التوازن، ولدى الغرب والولايات المتحدة رغبات تتعلق بقضايا داخلية سياسية واقتصادية واجتماعية، والتجاوب مع هذه الرغبات من دمشق، يمكن أن يساعد على الدعم الأمريكي، وفي المرحلة القادمة ما دامت سوريا دولة طبيعية وتحافظ على قيمة وكرامة شعبها، وتحقق الاستقرار في المنطقة، ولا تلعب دورا مزعزعا للاستقرار، فإن ذلك سيندرج ضمن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها من الدول العربية وخاصة في الخليج، وبالتالي قد يستمر الدعم الأمريكي لسوريا، ولكن ربما يأخذ أشكالا مختلفة حسب طبيعة السياسات الأمريكية الجديدة، من دون أن نغفل أنه مازال أمامنا سنتان للانتخابات الرئاسية الأمريكية وخلال هذه الفترة نحن بحاجة إلى خطوات كبيرة لكي نقطعها.
معادلة لن تتغير
وتطرق نجمة في تصريحه لـ”القدس العربي” إلى تأثير نتائج انتخابات الكونغرس الأمريكي على تشكيل الحكومة الإسرائيلية ومستقبل رئيسها بنيامين نتنياهو بعد انتخابات الكنيست الأخيرة وقال إنه وبالرغم من تراجع نتنياهو وخسارته بحوالي 11 مقعدا مقارنة مع الانتخابات الماضية، لكن هذا التراجع لم يكن نتيجة تبدل في المزاج الشعبي الإسرائيلي تجاه نتنياهو وبما يتعلق بالعلاقة مع العرب أو دول المنطقة، وإنما لتبني خصومه السياسيين لخطابات قريبة من خطابات نتنياهو فيما يتعلق بالعلاقة مع العرب ومع الدول الإقليمية.
وتابع: إن المعسكر الإسرائيلي الذي كان يطالب بالسلام مع العرب وحل الدولتين، قد خسر في هذه الانتخابات ولم يحصل حزب الديمقراطيون (العمال وميرتس سابقاً) إلا على ثمانية مقاعد فقط، ما يعني أن خسارة نتنياهو كان نتيجة أن منافسيه تبنوا خطابه المتشدد، إلى جانب مشاكل شخصية لنتنياهو تتعلق باتهامات الفساد.
ورأى نجمة أن الجو العام الإسرائيلي لا زال معاديا للعرب وللدول الإقليمية، مشيرا إلى أنه إذا ما نجح تحالف زعيم حزب يشار، غادي آيزنكوت، في التوصل لاتفاق مع القوائم العربية ودخولهم للحكومة الجديدة، فإن ذلك قد يزيد من اعتدال الحكومة الإسرائيلية القادمة دون تغيير بالموقف الجذري لها.
وبين نجمة أن التجاذب في العلاقة الإسرائيلية الأمريكية تجاه الملف السوري سوف يستمر، مؤكدا أن هذا التناقض بين رغبة الأمريكيين في دعم استقرار سوريا، وخوف الإسرائيليين من وجود دولة قوية مستقرة على حدودهم الشمالية، هي معادلة لن تتغير في المرحلة القادمة، معبرا أن أمله أن يكون هناك وعي لدى الإسرائيليين بأن وجود دولة قوية مستقرة في سوريا، تساعد في استقرار كل منطقة الشرق الأوسط، وأن النزعة العسكرية والحرب الإسرائيلية، لن تؤدي إلى شيء، وسياساتهم في زعزعة استقرار المنطقة سوف تدخلهم في أزمات وأزمات، ولن تساعد على استقرارهم الداخلي.
وخلص نجمة إلى تحميل الدول العربية جانبا من مسؤولية ما يحصل في المنطقة، معتبرا أن قيام الدول العربية، وضمنهم سوريا، بهذه المتابعة الشديدة لنتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية وربط مصيرهم بها، إنما يشير إلى وجود أزمة حقيقية في الشرق الأوسط.
وقال: لا بد من الاهتمام بنتائج الانتخابات الإسرائيلية والأمريكية، ولكن اعتبار هذه الانتخابات وكأنها انتخابات مصيرية بالنسبة للشرق الأوسط، إنما يدل على أزمة وعدم وجود قدرات وقوى فاعلة ذاتية تحدد مسار الشرق الأوسط وسياساته، وأردف، يجب الاعتماد على سياسات دول عظمى لها مصالحها في المنطقة، لكن درجة الاهتمام بهذه الانتخابات، تعبر عن أزمة نفسية عند المجتمعات العربية التي تربط مصيرها وقراراتها بوجود هذه الانتخابات.
زلزال كبير
المستشار السياسي والإعلامي ايمن عبد النور اعتبر أن ما حصل في الانتخابات الأمريكية بمثابة زلزال كبير لأن المتوقع كان في فوز مرشحي الحزب الديمقراطي، ولكن ليس بهذا الفارق الكبير عدديا والذي وصل إلى 83 نائبا و8 سيناتورات، وأيضا في الفارق الكبير الذي حققه المرشحون الديمقراطيون في دوائرهم الانتخابية على حساب منافسيهم الجمهوريين حيث وصل الفارق أحيانا إلى نحو 40%، مشيرا إلى أن هذه النتائج قد تؤهل الديمقراطيين للفوز بسهولة في الانتخابات المقبلة بعد عامين.
واعتبر عبد النور في تصريحه لـ”القدس العربي” أن تأثير نتائج الانتخابات الأمريكية على سوريا سيكون كبيرا سواء فيما يتعلق والحرب الأمريكية على إيران، أو كبح إسرائيل، موضحا أنه وفي الحالة الأولى سيذهب الأمر باتجاه ممارسة الكونغرس الأمريكي بمجلسيه، الضغط على الرئيس ترامب خلال الفترة المقبلة، عبر وقف تمويل وزارة الدفاع الأمريكية باعتبار أن الكونغرس هو من يقر هذه الموازنة، ما سيؤدي إلى إعاقة سياسات ترامب في مواصلة حربه على إيران.
وأضاف: إن توقف الحرب سيؤدي إلى انخفاض الأسعار العالمية للنفط ومشتقاته، الأمر الذي سيخفض فاتورة الحكومة السورية التي تدفعها لتأمين البنزين والمازوت، وبما يوفر لديها كميات أكبر من الأموال التي يمكن تخصيصها للاستثمار في إعادة بناء البنية التحتية المدمرة والنشاطات الاقتصادية التنموية الأخرى، وبما ينعكس إيجابا على سعر صرف الليرة السورية التي تجاوزت عتبة 144 ليرة جديدة مقابل الدولار.
اقرأ أيضا: أكسيوس: الجيش الأمريكي تلقى أوامر للاستعداد لهجمات محتملة على إيران
وفيما يتعلق والوضع داخل إسرائيل قال عبد النور إن الضغط الأكبر سيكون عليها باتجاه ابعاد نتنياهو عن العمل السياسي وعدم فتح المجال أمامه لتشكيل الحكومة الجديدة، كما قد تمارس ضغوط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي السورية التي احتلتها منذ سقوط النظام البائد في كانون الأول/ ديسمبر العام 2024.
واعتبر أن من بين العوامل التي قد تترك أثرها على سوريا نتيجة الانتخابات الأمريكية هو فيما يمكن أن يمارسه الديمقراطيون في الكونغرس لأنهاء عمل المبعوث الرئاسي الخاص توماس براك إلى سوريا والعراق، مشيرا إلى أن عملية تعيين بديل عنه يحتاج أيضا إلى موافقة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الذي بات تحت سيطرة الديمقراطيين، ما يشير إلى أن القضية باتت معقدة.
واعتبر عبد النور أن شهر العسل بين واشنطن ودمشق، بما يعني أن كل ما كانت تطلبه سوريا كان موافق عليه أمريكيا، قد توقف، فقد كانت هناك فرصا ونافذة مهمة جدا يمكن استغلالها في الفترات الأولى بعد التحرير والنصر، ذهبت نتيجة عدم خبرة الفريق الإداري الحكومي في جذب الاستثمارات وتحقيق نتائج أكبر بكثير مما تحقق.
وأسفرت الانتخابات النصفية التي شهدتها الولايات المتحدة الثلاثاء انتزاع الديمقراطيون أغلبية مجلس النواب بالفوز بـ259 مقعدا من أصل 435 مقابل 176 مقعدا للجمهوريين، واستعادة الديمقراطيون الأغلبية في مجلس الشيوخ بسيطرتهم على 54 مقعدا من أصل 100 مقابل 46 للجمهوريين.
القدس العربي
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
