تركيا تحتاج إلى سوريا لهذا السبب؟!
بعد سنوات من انقطاع حركة الشاحنات الدولية عبر الشمال السوري، تعود قوافل البضائع إلى طرق البلاد في اتجاه الأردن والخليج. والمشهد عند المعابر لا يعكس زيادة في التجارة بين دمشق وأنقرة فحسب، بل يفتح رهانا أكبر: أن تستعيد سوريا موقعها بوصفها ممرا بريا يربط تركيا وأوروبا بالأسواق العربية.
وقفز حجم التبادل التجاري بين تركيا وسوريا إلى 3.75 مليارات دولار في 2025، بزيادة بلغت 45% عن العام السابق، وفق بيانات أعلنها وزير التجارة التركي عمر بولات. ومع استمرار النمو خلال 2026 وتوسعة المعابر الحدودية، تضع الدولتان النقل والعبور التجاري في صلب تعاون يتجاوز بيع السلع وشرائها إلى إعادة وصل طرق إقليمية تعطلت لسنوات.
ولا تعني عودة الشاحنات أن الطريق بات جاهزا تماما لاستعادة دوره السابق، فالرهان يتطلب رفع كفاءة المعابر، وتأهيل الطرق، وتبسيط الإجراءات الجمركية، فضلا عن توفير طاقة وخدمات لوجستية مستقرة. لكن ارتفاع الحركة التجارية يمنح دمشق وأنقرة مصلحة مشتركة في تسريع هذا المسار.
طموح إلى 10 مليارات دولار
تسعى تركيا وسوريا إلى رفع حجم التبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار. وفي النصف الأول من 2026، بلغت الصادرات التركية إلى سوريا 1.28 مليار دولار، بزيادة تقدر بنحو 26% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بحسب ما ورد في التقرير استنادا إلى بيانات التجارة التركية.
وتكشف هذه الأرقام طبيعة العلاقة التجارية الحالية، إذ تبقى الصادرات التركية المحرك الأكبر للحركة، بينما تراهن سوريا على أن تتحول من سوق قريبة للبضائع التركية إلى حلقة نقل وخدمات تربطها بأسواق أوسع.
اقرأ أيضا: أردوغان: تركيا لن تترك سوريا
ولا يقتصر الأمر على معبر واحد، فبين البلدين 6 معابر حدودية، مع حديث عن التحضير لافتتاح معبر نصيبين/القامشلي. ويمثل تنويع المنافذ عاملا مهما لتخفيف الضغط عن المعابر الأكثر ازدحاما، وضمان استمرار الحركة التجارية عند تعطل أي طريق أو منفذ.
نشاط المعابر الحدودية
وعادت الشاحنات الدولية إلى الظهور في محافظة إدلب عبر معبر باب الهوى بعد انقطاع طويل. ويشير مراسل الجزيرة صهيب الخلف إلى نشاط معبري باب الهوى وباب السلامة مع تركيا على مدار الساعة، ضمن شبكة معابر برية تشمل نصيب مع الأردن وجديدة يابوس مع لبنان. ما يرسم شبكة أولية يمكن أن تربط الحدود التركية بالأسواق العربية.
ويظهر معبر الراعي مؤشرا آخر على اتساع النشاط، إذ عبرته منذ بداية العام أكثر من 40 ألف شاحنة تجارية محملة بنحو مليون طن من البضائع في الاتجاهين.
أما باب الهوى، فتحدث مدير الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية قتيبة بدوي عن خطة لتوسعته خلال 3 أشهر لزيادة قدرته على استيعاب حركة التجارة والترانزيت. غير أن الموقع المتاح لمعبر باب الهوى لا ينشر حاليا بيانا تجاريا تفصيليا يمكن الاستناد إليه لتأكيد أرقام أحجام البضائع المنقولة عبره، لذلك لا تعتمد هذه المادة أرقام حمولة غير موثقة رسميا من الموقع.
تمتلك سوريا موقعا جغرافيا يمنحها قيمة تتجاوز تجارتها الثنائية مع تركيا. فالمرور من تركيا عبر المعابر الشمالية والطرق السورية ثم الأردن يفتح طريقا بريا إلى دول الخليج، ويمنح المصدرين الأتراك والأوروبيين خيارا إضافيا للوصول إلى الأسواق العربية.
اقرأ أيضا:تركيا تعلن عبور أكثر من 237 ألف مركبة جسر ;الأخوة في دير الزور
وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة ميديبول، دنيز استقبال، إن تركيا تحتاج إلى سوريا بوصفها “بوابة وممر ترانزيت رئيسيا” نحو الشرق الأوسط والخليج، مستفيدة من الجوار الجغرافي والحدود المشتركة. لكن تحويل هذه الإمكانية إلى ممر مستقر يحتاج إلى اتفاقات تشغيلية واضحة وكفاءة لوجستية تضمن سرعة العبور وتكلفته.
ولا يتعلق الأمر فقط بالشاحنات العابرة، فكل تحسن في زمن التخليص الجمركي، أو في جاهزية الطرق، أو في خدمات التخزين والنقل، يمكن أن يزيد جاذبية الطريق السوري في منافسة المسارات البديلة.
فرصة تتطلب أكثر من فتح المعابر
تظهر الأرقام أن التجارة بين تركيا وسوريا دخلت مرحلة نمو سريع، وأن المعابر تستعيد تدريجيا دورا اقتصاديا يتجاوز حركة الحدود اليومية. لكن استعادة سوريا موقعها جسرا بين تركيا والخليج لن تتحقق بمجرد فتح الطرق، بل تحتاج إلى بنية تحتية موثوقة، وإجراءات جمركية سريعة، واستثمارات طويلة الأجل، وتفاهمات إقليمية تمنح حركة الترانزيت استقرارا.
وإذا نجحت هذه العناصر في الالتقاء، فقد تعود سوريا من جديد إلى خريطة طرق التجارة الإقليمية، ليس بصفتها سوقا مجاورة فقط، بل لكونها ممرا يختصر المسافة بين تركيا وأوروبا والأسواق العربية والخليجية.
الجزيرة
صفحة الفيس بوك : https://www.facebook.com/narampress
