صناعة النسيج تراهن على النهوض بسلاح سوريا السرّي
بعد أن ماتت زراعة القطن وتربية دودة الحرير يحاول قطاع النسيج السوري استعادة مكانته بوصفه أحد أبرز القطاعات الصناعية في البلاد.
وعلى مدى عقود، كانت حلب القلب النابض لصناعة النسيج السورية. فمن معامل الغزل والنسيج خرجت أقمشة وملابس وصلت إلى أسواق عربية وأوروبية، مستندة إلى قطن سوري اشتهر بجودته، وأيدٍ عاملة ماهرة، وتكاليف إنتاج جعلت المنتج السوري منافساً كبيرا في المنطقة.
تداعيات الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2011 لم تقتصر على الدمار الذي لحق بمصانع النسيج، بل امتدت لتشتيت نسيجها البشري. إذ سلك أصحاب رؤوس الأموال والأيدي الماهرة طريق الهجرة نحو دول الجوار، ولا سيما تركيا ومصر، ناقلين معهم كنزاً من الخبرات المتراكمة ليصبح وقوداً لمنافسي النسيج السوري في السوق العالمية.
ورافقت سنوات النزاع اتهامات من صناعيين ومسؤولين سوريين لتركيا بنقل معدّات من مصانع في شمال سوريا إلى أراضيها، وهي اتهامات لطالما نفتها أنقرة.
اليوم، وبعد التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد، تحاول دمشق إعادة إحياء أحد أبرز قطاعاتها الصناعية من خلال خطوات وفعاليات تسعى لإستقطاب الاستثمار بعد سنوات من القحط الاقتصادي.
في هذا السياق، استضافت مدينة المعارض في العاصمة السورية مؤخرا (بين 18 و21 تموز- يوليو)، معرض “ناس تكس 2026″، بحضور أكثر من 300 شركة تمثل نحو 20 دولة عبر العالم. وقد جمعت هذه الفعالية صناعيين ومستثمرين ومسؤولين سعوا إلى بحث سبل إعادة النهوض بقطاع كان يوماً أحد أعمدة الاقتصاد السوري.
ويرى نائب رئيس مجلس الأعمال السوري-الصيني مكرم شطاحي أن إعادة إحياء صناعة النسيج تبدأ من معالجة العقبات التي دفعت كثيراً من الصناعيين إلى مغادرة البلاد، وفي مقدمتها الإطار التشريعي ونقص العمالة الماهرة.
ويقول في حديثه لـ”يورونيوز”: “أهم العقبات الموجودة اليوم هي التشريعات، ووزارة الاقتصاد والصناعة تعمل حالياً على تسهيلها من أجل عودة الصناعيين. لكن المشكلة الأكبر هي اليد العاملة الماهرة، فخلال السنوات الأربع عشرة الماضية غادر كثير من العمال المهرة إلى تركيا ومصر، ولذلك لا بد من استقطاب هذه الخبرات مجدداً حتى نستطيع إعادة بناء الصناعة”.
ويكشف شطاحي عن اتفاقية توأمة أُبرمت مؤخرا مجموعة صينية مختصة في إدارة المدن الصناعية الذكية. ويقول في هذا الصدد: “وقعنا اتفاقية توأمة مع “سوجولاند” (Suzhou Land Group) في موضوع توأمة المدن الصناعية، لإنشاء مدينة صناعية متخصصة بصناعة الأثاث في مدينة حلب، إلى جانب مركز للتأهيل والتدريب، لأننا نريد إعداد عمال مؤهلين ينتقلون مباشرة إلى الورش والمصانع للعمل في الإنتاج”.
ويعتبر المتحدث أن مؤشرات التعافي بدأت بالظهور، فيقول: “العقبات بدأت تتذلل، لكن هناك تشريعات عمرها خمسون عاماً، وهذه تحتاج إلى وقت حتى تُحدَّث. ومع ذلك، نرى أن الأمور تتجه نحو الأفضل.”
ويردف شطاحي قائلا: “عودة الصناعي السوري ستنعكس مباشرة على التصنيع، لأن الصناعي السوري كان يبدع أينما ذهب. كثيرون ممن استثمروا في مصر وتركيا بدأوا اليوم بالعودة، وما رأيناه في المعرض من بيع عدد كبير من خطوط الإنتاج والآلات يدل على أن مصانع كثيرة تستعد لاستئناف عملها”.
ويرى أن الموقع الجغرافي لسوريا يمنحها ميزة تنافسية، قائلاً: “سوريا تقع في قلب المنطقة، وعندما نصدّر إلى الخليج أو أوروبا نكون أقرب بكثير من الصين، وهذا يختصر الوقت وكلفة الشحن ويمنح المنتج السوري فرصة أكبر للمنافسة”.
اقرأ أيضا: هل تعود سوريا مركزا لصناعة النسيج؟
ويضيف أن العمل يجري أيضاً على تعزيز البنية الفنية اللازمة للتصدير، موضحاً: “بدأنا العمل مع المجلس السوري الألماني ووكلاء مختبرات الجودة لإنشاء مختبرات تمنح شهادات مطابقة وفق المعايير الأوروبية. المستهلك الأوروبي يبحث أولاً عن شهادة الجودة، وعندما يجدها يشتري المنتج وهو مطمئن”.
اليد العاملة الرخيصة.. سلاح سوريا السرّي
لم تكن شهرة النسيج السوري محصورة بالأسواق المحلية أو العربية، بل امتدت إلى أوروبا، حيث ارتبط اسم دمشق وحلب بأقمشة فاخرة مثل الأغاباني والداماسكينو، واستُخدمت منسوجات دمشق في مناسبات ملكية، من بينها ثوب زفاف ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية.
ويقول وسام محيسن، من شركة “ساردارو محيسن” المتخصصة في معدات النسيج والجوارب لـ”يورونيوز”: “قطاع النسيج في سوريا قطاع عريق منذ القدم، وحتى الأغاباني والداماسكينو حملا شهرة عالمية. ومرت سوريا بظروف صعبة جداً خلال الحرب، فانتقل أغلب الصناعيين والخبرات السورية إلى مصر وتركيا”.
ويضيف: “قطاع النسيج في مصر كان قبل عام 2010 شبه معدوم، واليوم أصبحت مصر من الدول الناهضة بفضل الشباب السوري والخبرات السورية التي انتقلت إليها، وفي تركيا حدث الأمر نفسه”.
ويتابع: “اليوم أغلب الشباب السوريين يريدون العودة لإعادة بناء وطنهم، وحتى بعض الشركات التي كانت تنتج في تركيا بدأت تبحث عن مقرات داخل المناطق الصناعية في سوريا”.
ويعتبر محيسن أن سوريا لا تزال تمتلك عناصر تنافسية مهمة، قائلاً: “صناعة الألبسة تعتمد على اليد العاملة، واليوم يبلغ الحد الأدنى للأجور في تركيا نحو ألف دولار شهرياً، من دون احتساب التأمينات والإجازات، بينما يتقاضى العامل في الصين نحو خمسة آلاف رنمينبي، أي ما يعادل بين 800 و900 دولار. أما في سوريا، فاليد العاملة خبيرة، وتكلفتها أقل، وإنتاجيتها مرتفعة، وهذا يمنحها قدرة على منافسة تركيا والصين”.
ويضيف: “إلى جانب ذلك، تتمتع سوريا بقربها من الأسواق الأوروبية والعربية، وهو ما يختصر زمن وكلفة الشحن مقارنة بالمنتجات القادمة من الصين”.
اقرأ أيضا: (خان الحرير) عاد لسابق تألقه بإعلام خجول
ورغم كل هذه المميزات، طغت على المشهد ظروفٌ سياسية واقتصادية أدت لتراجع فرص النهوض بقطاع النسيج.
لكن وسام محيسن يبدي تفاؤلا بالمستقبل فيقول: “كانت العقوبات، إلى جانب إدراج سوريا على قوائم الإرهاب، تجعل المستثمر يخشى ضخ أموال في صناعة تحتاج إلى رؤوس أموال كبيرة، لأن رأس المال جبان. أما اليوم، ومع رفع العقوبات، فمن المفترض أن تعود خطوط الإنتاج المتكاملة، من الغزل والخيط وصولاً إلى المنتج النهائي، والسوري لا يُخشى عليه إذا توفرت له البيئة المناسبة للعمل”.
ورغم هذه المؤشرات، يواجه الصناعيون تحديات يومية تعيق المنافسة على أرض الواقع. ويقول الصناعي حسام عثمان، الذي تدير عائلته مصنعاً للأقمشة والألبسة والطباعة منذ نحو سبعين عاماً لـ”يورونيوز”، إن “المنافسة لا تتحقق إلا إذا اجتمعت الجودة مع السعر المناسب”.
ويضيف: “لدينا سلسلة إنتاج متكاملة تبدأ بالخيط وتنتهي بالأقمشة والملابس، لكننا نتمنى أن تتحسن جودة الخيوط المتوافرة محلياً، لأننا ما زلنا نعتمد على خيوط مستوردة، معظمها من الهند”.
ويصف أسعار المحروقات والفيول بأنها من أكبر التحديات التي تواجه الصناعة اليوم، إلى جانب ضعف حركة السوق المحلية، قائلاً: “السوق السورية وحدها لا تكفي، وما نحتاجه فعلاً هو زيادة التصدير حتى يتحسن وضع القطاع”.
صناعيون يحلمون بآلة
وفي زاوية أخرى من المعرض، يحاول أحمد دبيك إعادة إحياء واحدة من أقدم الحرف السورية، وهي تربية دودة القز وصباغة الحرير. ويقول لـ”يورونيوز” إن “المشروع يهدف إلى تدريب كوادر جديدة على جميع مراحل الإنتاج، من تربية الديدان إلى الحل والصباغة، لكنه ما يزال يواجه نقصاً في المعدات الحديثة”.
ويضيف: “نحاول أن تعود سوريا طريقاً للحرير من جديد، لكننا ما زلنا نعمل بآلات يدوية، وإذا استطعنا إدخال آلة حديثة لحلّ الخيط فسنتمكن من تحسين الجودة والتصدير”.
رهان بالأرقام
وشهد المعرض، الذي افتتحه الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، عرض أحدث التقنيات وخطوط الإنتاج الخاصة بالصناعات النسيجية، في خطوة تعكس اهتمام الحكومة بإعادة تنشيط القطاع، الذي كان قبل عام 2011 أحد أبرز دعائم الاقتصاد السوري.
وتشير بيانات وزارة الصناعة السورية إلى أن عدد المنشآت النسيجية بلغ في عام 2024 أكثر من 24 ألف منشأة، ما يمثل نحو 18.9 بالمئة من إجمالي المنشآت الصناعية في البلاد، لتحتل المرتبة الثانية بعد الصناعات الهندسية.
وتتوزع هذه المنشآت بين أكثر من 12 ألف ورشة حرفية، و11 ألفاً و886 معملا صناعيا، فيما بلغ عدد المنشآت العاملة 13 ألفاً و833 منشأة، أي ما يعادل 56.8 بالمئة من إجمالي منشآت القطاع، مقابل 10 آلاف و492 منشأة ما تزال متوقفة عن العمل.
كما تراجعت زراعة القطن، التي شكلت لعقود المادة الخام الأساسية للصناعة، بعدما بلغ إنتاجه مطلع الألفية نحو مليون طن سنوياً.
ورغم ذلك، يرى وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار أن القطاع لا يزال يمتلك مقومات التعافي، مقدراً الإنتاج الاقتصادي الممكن من القطن السوري حالياً بما بين 300 و400 ألف طن سنوياً، وهي كميات يقول إنها تكفي لتلبية احتياجات السوق المحلية ودعم الصناعات النسيجية، إذا اقترنت بإعادة تشغيل المصانع واستقطاب الاستثمارات.
كما تراهن الحكومة على المدن الصناعية، وفي مقدمتها الشيخ نجار في حلب، وعدرا في ريف دمشق، وحسياء في حمص، باعتبارها مراكز مهيأة لاستقبال الاستثمارات وتوفير الخدمات والبنية التحتية اللازمة لإعادة بناء سلسلة الإنتاج.
يورو نيوز
صفحة الفيس بوك :http://: https://www.facebook.com/narampress?locale=ar_AR
